لماذا هذه المدوّنة؟

إطلاق المدوّنة: 27 تشرين الثاني 2014.
****************
للتذكير: سبق وأنشأنا مدوّنة هذا عنوانها http://arabicsagesse.blogspot.com/

رابط أغنية إنت المعنى (كلمات ماري القصّيفي - لحن روجيه صليبا)

رابط أغنية يا عواميد الحكمة السبعة (كلمات ماري القصّيفي - لحن إيلي الفغالي)

رابط أغنية فوق التلّة الما بتنام (كلمات ماري القصّيفي - اللحن والأداء لنادر خوري)

رابط أغنية يا حكمتنا (كلمات زكي ناصيف - لحن نديم محسن)

رابط أغنية يا عصافير النار (2019 - الصفّ الأساسيّ الثاني C)

رابط أغنية قصّة شادي وكتابو (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس A)

رابط أغنية نسّم علينا الهوا (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس B)

رابط أغنية نقّيلي أحلى زهرة (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس C)

رابط أغنية طيري يا طيارة طيري (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس D)

رابط أغنية أهلا بهالطلّة (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابعِ A)

رابط أغنية شدّوا بالصنّارة (2019- الصفّ الأساسيّ الرابع B)

رابط أغنية طلّوا حبابنا (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابع C)

‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 28 فبراير 2017

سَلِّمْ شَاربك للناس، تَنداس ( 18 - من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


سَلِّمْ شَاربك للناس، تَنداس

        يُحكى أنَّ رجلًا كان عندَهُ قردٌ وهرٌّ يعيشان في بيته، وحدث أن القرد قام يتجوَّل في أرجاء البيت، في غياب صاحبه، فحظي بقدرٍ فيه لبن، فكشف غطاءَها والتهم حاجته منها. ورجع إلى حيث كان الهرُّ جالسًا يغسل وجهه بلعابه ويُملِّس شاربيه بكفَّيه، فحيَّاه بحرارة وقال:
      "سُبحانَ الذي خلق الكائنات وجعل الهرَّ أَجمل المخلوقات، وقديمًا قيل: "أَجمل ما عند الهرّ شارباه"، ولو كان لي مثل شاربيك يا أخي "أبو نُعمان"، لأعلَنْتُ نَفسي مَلكًا للوحوش. ويقول أَحد الحكماء: "إذا أَردت أن "تعنقر" شاربيك، فما عليك إلَّا باللبن، تدهن به شفتيك، و"تُمَرمغ" شعرات شاربيك، فتصير مثل السبع، اسم الله عليك-فإذا دخل صاحبُنا الآن ورآك حيَّاك، وبيَّاك وأَكرم مثواك!".
      وخرج القرد وعاد بقليل من اللبن "مَرْمغ" به شفتي الهرّ، وراح وغسل يديه واستراح مطمئنًا إلى عمل يومِهِ، بينما وقف الهرّ أمام المرآة فرأى شاربيه الأبيضين، أجمل ما تراه العين، وحَسُنَ الأمر عنده، فقال: "لا شكّ في حكمة أَخي القرد وإخلاصه، بقليل من اللبن رفع مكانتي وأثبت حصانتي".
      ولم يلبث صاحب البيت أن دخل ورأى ما حَلَّ بقدر اللبن، فالتفت إلى شوارب الهرّ، وصاح: "هذا أَنت يا قليل الشرف"! وتناوله بِرفسة أَلقاه خارج الباب.
      وَيُقال إن الهرّ أبو نعمان، عندما شعر بدنُّو أَجله أَوصى أَولادَه وأَحفادَه أَن لا يأتمنوا الناس، وأَن يصونوا شواربَهم عن أَصدقائِهم وأن لا يأكلوا لبنًا مدى الحياة.

      ولذلك يقول المثل: "سلِّم شاربك للناس، تنداس".

رافِق النَّذل تَنذَلّ (17- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


   
رافِق النَّذل تَنذَلّ

     يُحكى أنَّ رَجُلين ترافقا في سفرٍ بعيد، وحينما أقبل الليل لاذا بإحدى الأشجار واتّفقا على أن ينام الواحد منهما ويسهر الآخر، متناوِبَين، حتى إذا شعر الساهر بأي خطر أيقظ رفيقه للمجابهة معًا.
        وإذا بضبع يقترب مهرولًا، فارتعب الرجل الساهر وشمّر ذيله وتسلّق الشجرة بسرعة، دون أن يوقظ رفيقه الذي ما أن أفاق على صوت قرقعة مفاصل الضبع حتى رأى الضبع أمامه، وجهًا لوجه، فارتعدت فرائصه و "قضاها" في ثيابه من الخوف.
        ولما كان "ابو عامر" الضبع لا يأنف من شيء في الدنيا إلاّ من رائحة براز الإنسان، لذلك اكتفى بشمشمة الرجل من تحت إلى فوق ومضى في سبيله.
        فنزل الرجل، حينئذً، من الشجرة وقال لرفيقه: رأيت الضبع يقترب برأسه من أذنك، فماذا قال لك؟
        أجاب الرجل: قال لي الضبع: "رافقْ النذل تنذلّ!".

        فجرى كلام الضبع مجرى الأمثال إلى يومنا هذا.

بين حَانا ومَانا ضَاعت لِحانا (16- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


بين حَانا ومَانا ضَاعت لِحانا

يُحكى أنَّ رجلًا تزوّج في أيام شبابه امرأةً اسمها "حانا" ولما صار كهلًا، وجد أنها كبرت، فتزوج امرأةً أخرى صبيّة اسمها "مانا".
       وكانت "مانا" هذه تكره رؤية الشعر الأبيض في لحية زوجها، فتأخذُ بانتزاعه كلما دنا منها، حتى لا يبقَى في لحيته إلّا الشعرُ الأسود فتشعر أن زوجها ما زال شابًّا، في حين كانت "حانا" تغتاظ من رؤية الشعر الأسود في لحية زوجها فتأخذ بانتزاعه كلما وجدتْ إلى ذلك سبيلًا، فتشعر أنَّه صار كهلًا مثلها.
       لذلك لم يمضِ سوى وقت قليل حتى شعرَ الرجلُ بأن لحيتَه توشك أن تصبحَ بدون شعر، فقال:
       "بين حانا ومانا ضاعت لحانا".

       وصارت هذه العبارة قولًا يجري مجرى الأمثال كلما ناسبتْهُ المناسبة.

أهلُ الكرامة لهم علامة (15- من أهلُ الكرامة لهم علامة)


أهلُ الكرامة لهم علامة

       يُحكى أنَّ رجلًا من كبار علماء زمانه مرَّ يومًا ببائع مسابح وتناول مسبحة منها وسأل البائع عن ثمنها.
       قال البائع: "ثمنها ليرة واحدة.. لكنَّها ليست من مقامك يا سيِّدي، فأنت عالم ثمين رفيع القدر... ".
       وتناول البائع، من خزانة وراء ظهره، مسبحة ثمينة وعرضها على العالِم وقال: "هذه المسبحة من مقامك وتليق بشأنك يا سيِّدي".
       فسأله العالِم: "وكم هو ثمنها؟".
       قال: "ثمنها مئة ليرة".
       قال العالِم الكبير: "أرجع هذه المسبحة الثمينة إلى خزانتك، حتى يأتيك رجل رخيص القدر لا يزيد ثمنه عن ليرة واحدة، فيشتريها، ويصير ثمنه مع المسبحة مئة ليرة وليرة. أمَّا أنا، فكما تقول، رجل ثمين ولا حاجة لي إلى زيادة ثمني بمسبحة ثمنها مئة ليرة".

       ولذلك يقول المثل: "أهل الكرامة لهم علامة".

إن صَدق بُو عيد، هالسنةْ ما في عيد (14- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)



إن صَدق بُو عيد، هالسنةْ ما في عيد

يُحكى أنَّ خوريًّا في إحدى القرى كلّف قندلفت كنيسته أبو عيد أن يحفظ حساب أيام الصوم، من أجل تحديد موعد العيد الكبير، فعدّ أبو عيد خمسين حبّة من الحمّص – بعدد أيام الصوم _ وضعها في جيبه وصار يأخذ منها حبّة واحدة كل مساء، بحيث يكون العيد بعد آخر حبّة.
       وحدث أن لاحظت أم عيد وجود الحمّص في جيب زوجها، فقالت: "لعله يحبّ القرقشة"، وصارت كلّما نقص الحمّص في جيب زوجها تزيد فوقه سرًّا بضع حبّات وقول: خلِّي هالزلمي يقرقش".
       وكان أبونا الخوري، من وقت إلى آخر يسأل أبو عيد، متى يكون العيد، فيراجع أبو عيد عدد حبّات الحمّص التي في جيبه ويجيب: "بعد عشرين يومًا... بعد عشرة أيّام ... بعد خمسة وعشرين يومًا". وذلك حسب عدد حبّات الحمّص الموجودة في جيبه.
       وجاء أخيرًا مَن سأل الخوري: "ومتى يكون العيد يا محترم!".
أجاب المحترم: "إن صدق بوعيد، هالسنة ما في عيد".

وجرى جوابه مثلًا يقال في مناسباته.

إن جنّوا ربعَك، عقلك ما بينفعك (13- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


إن جنّوا ربعَك، عقلك ما بينفعك

يُحكى أنَّ وجيهًا قرويًا ارسلَ ابنَه إلى بيروت ليتعلّم في إحدى مدارسها. فانخرطَ الولدُ في إحدى الفرق الموسيقية، وأهملَ دروسَه، ولم يتعلّمْ سوى التزمير بالمزمار.
       وعاد الولدُ أخيرًا إلى قريته ومعه المزمار، وجلسَ في المساء على شرفةِ بيت أبيه، وأخذ يلعبُ على المزمار، فأقبل إليه بعض الفتيانَ معجبين. ثم كثر عددُ الزائرين المحبّذين، فقال أبوه: "تسوكر مستقبل الصبي، يا أم حنّا، الجايين لعنا أكثر من الرايحين، هيك بتكون الوجاهه".
       وأخذت حفلات المزمار تتكرر كل مساء، وتزايد عدد القادمين والمؤيِّدين، فقلقت أفكار بعض وجهاء القرية الآخرين.
-       "بوحنا بَدّو يعمل وجيه على صوت المزمار، لازم نلحق حالنا ونلملم ولادنا، جاب بوحنا مزمار، لازم نحنا نجيب
دربكّة، بكره مامنعود نمون على ولادنا إذا "أخذوا كسرَه" على بيت بوحنا".
       وهبط في اليوم التالي، أحدُ رجال القرية إلى بيروت واشترى دربكة، وبدأ في الحال تصريف الأعمال: "فإذا هبَّ هؤلاء إلى التزمير ردّ عليهم أولئك بالضرب على الدربكَّة – وما بيردّ الرطل إلا رطل ووقية.
       ولم يمضِ سوى قليلٌ من الزمن حتى تشيَّع نصفُ أهل القرية إلى حزب الدربكة، والتحق النصف الآخر بفريق المزمار، وتعطلّت مصالح القرية، لانصراف هؤلاء وأولئك إلى مداومة الدقّ والتزمير وممارسة أعمال الاستفتزاز والتشهير.
رجلٌ واحدٌ في القرية لم ينجرفْ في تيّار الدّق والتزمير.
       بقي الرجلُ على الحياد –كبَّر عقلَه – فحادَ عنه الجميع. نبذه الفريقان، تهجّموا عليه بعنف: "يا معنا يا علينا".
       واعتصم الرجلُ بحياده، ثابرَ على عناده، عاشَ وحيدًا حتى خشي أن يموت مكسور الخاطر.
       وفي ذات صباح شوهد الرجلُ يشدّ طبلًا على تارة غربال عتيق، فسألوه: "شو عدا ما بدا حتى قررت أن تصير طبالًا، في آخر الزمان؟"
       قال: "إن جَنوا ربعك، عقلك ما بينفعك".

       فجرى جوابه مثلًا.

الاثنين، 13 فبراير 2017

الناس مَقامات وَرَواتب ولكلِّ راتبٍ واجب (12- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


الناس مَقامات وَرَواتب ولكلِّ راتبٍ واجب

يُحكى أنَّ رجلًا كان يقتني جَمَلًا. ومرض الرَجُل يومًا وشعر بدنُوّ أجلِهِ فطلب أن يؤتى إليه بجَمَلِهِ ليودِّعَهُ قبل موته. وجيء إليه بالجمل فقال له:
       "سامحني يا جملي الحبيب، قبل أن ألفظ أنفاسي. كنتُ أُحمِّلك أحمالًا ثقيلة، وكنتَ تجوع فلا أقدِّم إليك ما يكفيك من الطعام. وكنتَ تعطش فلا أُقدِّم إليك ماءً نظيفًا.. وكنتُ أحيانًا أضربُك وأشتمك لسبب ولغير سبب...".
       قال الجمل: "إعلم أيُّها السيِّد! أنني أغفر لك جميع تصرُّفاتك هذه، لكنَّ عملًا واحدًا لا أُسامحك عليه، وهو أنك كنتَ لا تحفظ كرامتي، كنت تربطني وراء الحمار، والحمار يمشي قدَّامي... ومتى كان مقام الحمار أرفع قدرًا من مقامي حتى يمشي أمامي، وهو ليس مثلي ابن عشيرة وصاحب رأي وبصيرة!... وأنت تعلم أن المثل يقول:

"الناس مقامات ورواتب، ولكلِّ راتبٍ واجب".

المهمّ أن تَقتَنع الدَجاجة (11- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


المهمّ أن تَقتَنع الدَجاجة
يُحكى أنَّ رجلًا أصابته لوثةٌ في عقله، فتوهَّم أنَّه حبّةُ قمح. وفّكر مليًّا في الأمر، قال: "أنا حبّةُ قمح، هذا أكيد، وحبّةُ القمح تأكلها الدجاجة، وهذا أكيد أيضًا... إذًا أيَّة دجاجة وجدتْني أكلتْني".
وانزوى الرجل في بيته، فاجتمع أصدقاؤه حوله، وقالوا له: "أنت تتكلّم وتمشي وتأكل وتنام وتعرف من نحن فهل رأيت في زمانك حبّة قمح تفعل هكذا؟".
ففكّر الرجل قليلًا، ثم أذعن وقال: "صحيح! وين كانوا عقلاتي، الحقّ معكم أنا رجل ولستُ حبَة قمح".
فشكروا الله لأنّه هداه، وخرجوا فخرج معهم مشيِّعًا. لكنَّه لم يصلْ إلى الباب حتى صرخ: "دجاجة، دجاجة"، وهرب إلى الداخل، فتبعوه، وقالوا: "اننا أقنعناك فاقتنعت بأنك لست حبّة قمح، فلماذا خفت من الدجاجة؟".
       قال: "أنا من جهتي اقتنعت ... لكن أرجوكم أن تُقنعوا الدجاجة".

       وهكذا صرنا نستعمل عبارة "المهمّ أن تقتنع الدجاجة" مصلًا يقال في مناسباته.

اللي بيَعطي إدنُو لَمين ما كان، بيموت كيف ما كان (10- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)



اللي بيَعطي إدنُو لَمين ما كان، بيموت كيف ما كان

       يُحكى أنَّ رجلًا شكا من ألم في ظهره وأراد أن يرتاح مُوقَّتًا في بيته، فجاء أهل القرية يزورونه، قال احدُهم: "سلامتك يا بو نصَّار، الزلمي لازم يواجه خيانة الدهر والحزن والقهر ووجع الظهر وهو واقف على إجريه حتى ما يذلّ".
       فلملم أبو نصَّار أذياله ونهض لكي لا يبدو ذليلًا أمام الناس، لكنَّه ما لبث أن هوى من الألم، فقال رجل آخر: "هذي برقة، بو نصّار بيلزملوا مغطس بارد".
       وجيء بخلقين ملأوها ماءً باردًا وضعوا الرَجُل بها لمدّة ساعتين، ولمّا أخرجوه تبيّن أن مفاصله تيبَّست، فأشارت إحدى العجائز أن يدهنوا بدن الرَجُل بزيت حار، فدهنوه، حتى تقزّز جلده.
       وصار كلما قَدِم قادم تبرَّع بنصيحة: كاسات هوا على ظهره، لزقة خردل على بطنه. "كيّ" فوق باب بدنه، شربة خروع، شربة دود، جراب حقنة، وما أشبه ذلك. وكانت اللياقة تقضي أن تُنفَّذ جميع هذه الوصفات إكرامًا لخواطر أصحابها.
       ومع تكرار الوصفات تكّررت النَكَيات: بقبق ظهر بو نصار وفقفل بطنُه وانحلَّت مفصلات جسمه واصطكَّت أضراسُه وضاقت أنفاسُه، فقلق عليه جُلَّاسُه واستدعوا كاهن الرعيَّة ليتداركَه بنصيحة دينية قبل انتقاله إلى الديار السماويّة.
       ولما حضر الكاهن، اختلى بالرجل وقال له: "لا بدّ أن تكون قد ارتكبت في زمانك خطايا مميتة، حتّى ابتلاك الله بهذه العلل المقيتة".
قال الرجل: "خطيئتي الوحيدة، يا محترم، أنَّني سمعت نصائح الناس ونسيت نصيحة أُمِّي قبل وفاتها:
       "اللي بيعطي إذنُو لَمِين ما كان، بيموت كيف ما كان".

       وصارت هذه العبارة مثلًا يقال في مناسباته.

اللي بيطَاوع مَرتو بيضمَن آخرتو (9- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


اللي بيطَاوع مَرتو بيضمَن آخرتو

        يُحكى أنَّ "أبا طشطش" عاش راضيًا عن نفسه لولا هاجسٌ عتيقٌ عَوْكَرَ حياتَه منذ وقتٍ بعيد وهو أنَّ جميعَ القرية كان عندهم حميرٌ ينتقلون وينقلون عليها أحمالَهم... قال هذا لا يليقُ بكرامتي في آخرتي، يجب أن أقتني أحسنَ حمار، إذا نهق في الصباح أخذتْ كلابُ القرية بالنباح وديوكُها بالصياح، لأن شيئًا جديدًا طرأ.
        وافتَعلَ أبو طشطش الشجاعَةَ، لأوَّل مرَّة في حياته وانتزَع من "كمر" أم طشطش خمسَ ليراتٍ ذهبًا وهبط إلى السوق واشترى حمارًا متمتّعًا بكامل الأوصاف المعتبَرَة شرعًا: خصرُه نحيل وذيلُه طويل، مجموع الحافر مبسوطُ الردفين، غليظُ الرقبة مستقيمُ الأذنين، وذلك بعد معرفة "سِنِّه" من أسنانه-لأن أعمارَ الحمير تُعرف من أسنانها...
        وتناوَلَ أبو طشطش رسنَ الحمار وجرَّه وراءَه عائدًا إلى بيته. فتتبَّعه لصَّان اقتربَ أَحدُهما وفكَّ الرسنَ ووضعه في رقبة رفيقه، اللص الآخر، واستولى هو على الحمار. بينما تابع أبو طشطش سيرَه والحمارُ المزعوم وراءَه حتى مداخل القرية حين التفت إلى الوراء، وإذا الحمار قد صار رجلًا، فقال له أبو طشطش: "حسب علمي أنك حمار، فكيف أصبحت رجلًا؟"
        قال اللص: "ولكنني يا سيِّدي، رجلٌ مثل كلّ الرجال، وعندي زوجةٌ وأولاد، إلاّ أنني كنت أشاكسُ زوجتي، ولا أسمعُ كلامَها ولا أُراعي مقامَها، فغضِبتْ زوجتي عليَّ وطلبت من الله أن يمسخَني حمارًا فاستجَاب الله طلبَها. ويبدو الآن أنها راجعتْ أفكارها وطلبَتْ من الله أن يُعيدَني رجلًا، فأرجوك أن تتركَني وشأني، لأعودَ إلى زوجتي... وأن تسترَ على ما بدا مِّني".
        فرقّ قلبُ أبو طشطش وحاول ترويقَ خاطر الرجل ثم تبرَّعَ له بنصيحة، قال: "اسمع يا بني، غضبُ النسوان من غضب الرحمن، إرجعْ إلى زوجتك وإيَّاك أن تخالفَ رأيَها بعد الآن".
        واقترب أبو طشطش وفك الرسنَ من رقبة الرجل ودخل ورمى الرسنَ قدَّام زوجته وقال لها: "شيء عجيب غريب... جِبتْ حمارْ، طلع زلمي".
        فقالت له: "يوجد ما هو أعجبُ وأغرب... أنت جِبت حمارْ طلعْ زلمي، وأنا جِبتْ زلمي، طلعْ حمار".
        وبات أبو طشطش ليلته مكسورَ الخاطر، قال هذا محال، المعلف موجود، والشعير والتبن كذلك، وهذا الرسن عندي ولا ينقصني سوى الحمار. وعند الصباح غافل الرجلُ زوجتَه واستولى على ما تبقى في كمرها من نقود وتوجّه إلى السوق في محاولة شراء حمار لا غِشّ فيه، وإذا حمارهُ المعهود مربوطًا ومعروضًا للبيع، فقبضَ على أذنه وقال له: "أوصيتُك أمس أن لا تخالف رأيَ زوجتك، لعلَّك لم تقبل نصيحتي... شوف! يا ابني شوف! "اللي بيطاوع مرتو بيضمن آخرتو!".

        فجرى كلام أبو طشطش مجرى الأمثال إلى يومنا هذا.

الله ينجِّينا من حَلِّة الحَبْل (8- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)




الله ينجِّينا من حَلِّة الحَبْل
يُحْكى أنَّ إحدى القرى كانت تعيش في سلام ووئام، وكان عند  الشيطان ابنٌ بلغَ سنَّ الرُشد، فأرادَ الشيطان أَن يمتحنَ شيطنةَ ابنِه، وطلب منه أن يستعملَ أَسهلَ وسيلةٍ لإثارة أكبرِ فتنة في القرية الآمنة.
      وما هي إلاّ ساعات، حتى نشبَ خلاف في القرية تطّور إلى شجار، فعراك، انقسم به أهلُ القرية فريقين متحاربين، فاستدعى الشيطان ابنَه وسأله ماذا فعل حتى أثار الفتنة في القرية، قال: "حلَلتُ الحبل، وتركت الباقي على أهل القرية".
      وأضاف الشيطان الصغير أَنه رأى إحدى نساء القرية تحلب بقرة وعجلُها مربوطٌ جانبًا، فتسلَّل الشيطان الصغير وحَلَّ ربطة الحبل، فأَفلت العجل وركض ليرضع من ضرع أمِّه، فقلب سطل الحليب، فغضب زوج المرأة واتهمها أَنها لم تُحكم ربطَ حبلِ العجلِ جيّدًا، حتى أفلتَ وقلبَ سطلَ الحليب.
      وضرب الرجل زوجتَه، فانتصر لها إخوتُها وضربوه، وجاء أُخوةُ الرجل وأَبناءُ عمِّه، واشتبكوا مع أُولئك. وما لبث المعركة أَن شملتْ جميعَ أبناء القرية.
      ومن ذلك الوقت، صرنا نقول كلَّما وقع مشكل، وخشينا أَن يتطوَّر إلى مشاكل:

      "الله ينجِّينا من حَلِّة الحبل".

الكلامُ مِن فِضَّة والسكوت مِن ذَهب (7- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


الكلامُ مِن فِضَّة والسكوت مِن ذَهب
       يُحكى أنَّ أكثر الأمثالِ العربية رواجًا، المثلُ القائل: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب". ولهذا المثل حكاية، ربما بُني المثل على أساسها، أو ربما بُنيت الحكاية على أساس المثل، ولا بأس، فالحكاية طريفة وتجدرُ روايتُها هنا، لئلا تضيع.
       يُحكى أن رجلًا أصابه فالجٌ فأقعده، والمثل يقول: فالج لا تعالج". وكان الرجلُ ملجاجًا كثيرَ التذمر، لا يستقُر على حال ولا يهدأ له بال. فابتكرَ أولادُه طريقةً لتسليته، وهي أنهم استأجروا قندلفت كنيسةِ قريتهم يجلسُ إِليه باستمرار ويسليه بما عنده من قصص وأخبار، لقاء نصف "مجيدي" في النهار، إلى أن أخذَ الله منه أمانَته فأراح واستراح.
       وحدث بعدئذٍ، أن رجلًا آخر في القرية، شاخ وأقعده عجزه عن الذهاب والإياب، وكان كثير الكلام يُسعده أن يجد مَن يصغي إلى أحاديثه باهتمام، ففطنت زوجته إلى القندلفت نفسه ودعته وقالت له: دفعَ لك الجماعةُ نصفَ مجيدي في النهار، لقاء أحاديث متواصلة كان عليك أن تُجهدَ عقلَك لتدبيرها وأن تُتعب لسانك بسردها لكي تسلّي الرجل، أما أنا فكل ما أطلبه منك أن تجلسَ فقط إلى زوجي وتُصغي إلى أحاديثه، بدون أي عناء، وأدفعُ لك الأجرة نفسها".
       فقبل القندلفت، وباشر عمله بالجلوس والإصغاء إلى الرجل، الذي صدف أن لسانَه كان لا يزالُ سليمًا معافى، دون سائر أعضاء جسمه – مثل الصباط يهترىء ويبقى لسانه جديدًا- وهكذا بدأ الرجل يتكلم، بدون انقطاع، فيأخذ القندلفت ثم يرده، ثم يعيده بالحديث إلى حيث بدأ به، ثم يسأله: "أين صرنا بالكلام"؟ فيبدأ القصة أحيانًا من طرفها ثم يعود إلى أولها... "وفتناك بالكلام"... وبيرجع مرجوعنا"... "وبلا مؤاخذة من حضرتك"... وتنذكر ما تنعاد"... "ويرحم بيك...".
       ولم تكدّ تمر ساعةٌ من الزمن حتى ضاقَ صدرُ القندلفت وفرغ صبرُه، فنادى زوجةَ الرجل وقال لها: "بدّي اعرف مين قطعلك سعر السكوت مثل سعر الحكي؟ استلمي زوجك! وأنا رزقي عالله".

       ولذلك يقول المثل: "الكلام من فضة والسكوت من ذهب".

العَظَمة شيء.. والآدمية شيء آخر (6- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


العَظَمة شيء.. والآدمية شيء آخر

       يُحكى أنَّ رجلًا من ديار بكر، إحدى المدن العثمانية النائية، كان عنده ابنٌ سيّءُ السيرة والسريرة. وحين قطع الرجل أمله من إصلاح ابنه طرده عنه قائلًا له: "إنَّك لن تصير آدميًّا".
       وذهب الابنُ هذا ودخل في الجندية حيث أظهر تفوُّقًا وصار يرتقي إلى أن أصبح، بعد وقت طويل "صدراً أعظم"، أي رئيسَ وزراء في الأستانة. وفطن حينئذ إلى والده الذي حكم عليه حكمًا مطلقًا أنه لن يصير آدميًّا، وأرسل يستدعيه تحت الحفظ، دون أن يُخبر أحدًا أن المطلوب ‘حضاره هو أبوه.
       وسيق الرجلُ محفورًا ذليلًا من مدينة ديار بكر النائية إلى الآستانة، التي قيل إن "المطلوب إليها مفقود، والخارج منها مولود"، بسبب ظلم حكّامها وسوء معاملتهم لرعاياهم، وهناك استدعاه الصدر الأعظم إليه، فمثُل بين يديه فحيَّى الصدر مرتعدًا من الخوف، دون أن يتجرَّأ ويرفع نظره إلى الصدر الأعظم.
       فسأله الدرُ الأعظم عن ابنه. فظن الرجل أن ابنه هذا، لا بدّ أن يكون قد ارتكب جريمةً في حجم الخيانة العظمى، وهذا ما استوجَب إحضاره بهذه الطريقة المخزية إلى الآستانة، فقال وهو يرتعد من الخوف: "ابني المذكور، يا سيدي، كان سيِّء السيرة والسريرة، رديء الأخلاق، وحينما يئست من جعله آدميًّا تبرَّأتُ منه وطردتُه عني منذ وقت بعيد، وأنا لا أعرف عنه شيئًا، ولستُ مسؤولًا عنه".
       قال الصدرُ الأعظم: "أنا هو ابنك... وها قد أصبحتُ صدرًا أعظم".
       فرفع الرجل هامتَه وحدَّق مليًّا في وجه ابنه، وقال: "أنا لم أقل إِنّك لن تصيرَ صدرًا أعظم.. لكنني قلت إنك لن تصيرَ آدميًّا، وما زلتُ عندَ ظنّي فيك".
       ولذلك يقول المثل: "العَظَمة شيء... والآدمية شيءٌ آخر

الجمعة، 10 فبراير 2017

الطبع غلب التَطَبُّع (5- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)

غلاف أحد كتب سلام الراسي

الطبع غلب التَطَبُّع
يُحكى أنَّ في مطلع إحدى السنوات المدرسية أجرت الجامعة الأميركية في بيروت، مباراةً بالركض، فاجتمع المتبارون والمشاهدون في الملعب قبل بدء السباق.
       وحدث أن تلميذًا كان قدُمَ حديثًا من إحدى البلدان المجاورة ورأى الطّلاب يسيرون باتجاه الملعب فتبعهم.
       وهناك سأل عن الغاية من وجود الناس في ذلك المكان، فقيل له إن الجامعة تُجري مباراةً بالركض، فتقدَّم وقال إنه يريد أن يركضَ مع الأخوان.
       فنظر الحَكَمُ إلى الشا، فرآه يرتدي دشداشةً فضفاضة، ويعتمر كوفيةً وعقالًا، وينتعلُ حذاءً بدائيًا معلَّقًا بأصابع رجليِه، فقال الحَكَم لنفسه: "سأسمحُ له بدخول المباراة، لأجعله نكتةَ الموسم".
       وأشار إليه أن يقفَ مع المتبارين. ثم صفر إيذانًا ببدءِ المباراة، فانطلقَ المتبارون، فيما ذُهلَ الشابُ فترةً، ثم انتبه، فشمَّر أذيالَ الدشداشة وعقدها عند خصره، وخلعَ حذاءَه وحملهُ تحت إبطه، ثم تلثَّم وانطلقَ وراءَ المتبارين.  
       فانطلقت عندئذٍ عاصفةٌ من الضَحِكِ والاستهزاء، غير أن الشابَ ما لبثَ أن زَوْبَعَ واعصَوصَف وطَارَ مثلَ الريح، وأخذ يجتازُ المتبارين، الواحد تِلو الآخر، فخلَّفهم وراءَه أجمعين – طلع منهم "شَرْدْ مَرْد" على حد تعبير عجاج المهتار – وانطلق خارج الحلبة، لأنَّه كان لا يعرفُ أين يقفُ، وتوارى!...
       وبعدما انحسرتْ عاصفةُ التصفيق والهتافِ بحياة الشاب، أراد الحَكَمُ أن يُعلن فوزَه في المباراة، ثم فَطَن إلى أنَّه لم يأخذْ اسمَه، لذلك وقف وقال: "أُعلنُ فوزَ السيدَ "حفيان" (لأنه ركض حافيًا في المباراة).
       ويُضيفَ الراوي أنّ رئيس دائرة الرياضة في الجامعة فطن إلى الأخ "حفيان" وبحث عنه في اليوم التالي، وقال له: "عندك موهبةٌ فذّة، لكنها بدائية يجب تنميتها حسب الأصول".
       هكذا قبضوا على أخينا المسكين "حفيان"، وسلَّموه إلى مدرِّب ماهر تولَّى تدريبَه يوميًّا: "واحد إثنين... إرفع قدمك... إطوِ ركبتك... إبسط كفيك... شهِّل رأسك... خذ نَفسًا عميقًا... استرحْ".
       وهكذا دواليك عدة شهور، حتى تمَّ تدريبُ الشاب وتحضيره حسب أحدثِ نظريات الرياضة البدنية.
       وأعلنتْ الإدارة عن مباراة جديدة يشتركُ فيها الأخ "حفيان"، بعد أن ذاعَ صيتُه في كل مكان. واكتظَّ الملعبُ بالتلاميذ والإخوان، وعندما أقبلَ البطل "حفيان" بلباس الميدان، علا هنافَ التأييد والاستحسان.
       لكن الأخ "حفيفان" لم ينتبه إلى ما كان يجري حوله، لعلَّه، في تلك الدقيقة، كان يسترجع في ذاكرته كيف كان يعدو في الصحراء – حرًّا طليقًا حافيًا – وراءَ جمل شارد، فيدركُه ويقفزُ إلى ظهره ويعودُ به إلى مضاربه.
       ثم لا يلبث أخونا المسكين أن يعود إلى واقعه الحزين – إلى تعليمات مدرِّبه – واحد إثنين... إرفع قدمك... إطوِ ركبتك... خذ نفسًا عميقًا... استراحة...
       وبدأت المباراة، وانطلق المتبارون وانطلقَ معهم الأخ "حفيفان" – فحدث ما لم يكن في الحسبان – تعرْكجتْ يمناه بيسراه وتشابكتْ قدماه، فتهاوى على الأرض وفكش رجله...

       وصحّ فيه قول المثل: "الطبع غلب التَطبُّع".

الحقّ موجود، ما بَدُّو شهود (4- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)



الحقّ موجود، ما بَدُّو شهود
       يُحكى أنَّ رجلًا ذهب إلى تأديةِ فريضةِ الحجّ، ولمَّا رجع وجدَ أضرارًا في بُستانه، وعلم أن حمارًا لأحد جيرانه، كان يتردَّد على بُستانه في غيابه، فيأكلُ ما يأكل ويُتلف ما يُتلف. ولذلك أقام الرجل دعوى على صاحب الحمار أمام قاضي المدينة، وأحضرَ شاهدًا شهد أنَّه رأى حمارَ المدَّعَى عليه مرارًا في بستان المدعي.
       فقال المدَّعى عليه، صاحب الحمار، إنَّ الشاهدَ عدوُّه ولا يريدُ إحقاق الحقّ بل إلحاقَ الأذى به، وأَحضر شاهدَين شهدا أَن حمارًا آخر، غيرَ حمار المدَّعى عليه – والذي يعرفانه جيًّدا – هو الذي كان يتردَّد على بستان المدَّعي. وعلى المدَّعي أن يبحثَ عن صاحب ذلك الحمار ويدَّعي عليه.
       فسأل القاضي صاحب الحمار: "وأَين هو حمارك الآن؟".
       قال: "حماري، يا سيِّدي، مربوط على معلفه، وأَنا لا أَتركه أبدًا". فأمر القاضي بإحضار اثنين من رجال الدرك وقال لهما: "إذهبا مع المدَّعى عليه إلى بيته، حيث تجدان حمارًا مربوطًا، تفكّان رسنَه وتُطلقانه، ثمّ تتبعان سيرَهُ، فإذا توجَّه إلى بستان المدَّعي كانت دعواه صحيحة.
       فصاح المدَّعى عليه: أرجوك يا سيِّدي القاضي أَن تحكم كما تشاء... وَدَعْ شأنَ الحمار، حتى لا يُقال إن محكمتكم الكريمة قبلت شهادةَ حمار أكثر من شهادة رَجُلين من أَصدق رجال قريتنا".
       فقال المدَّعي آنئذٍ: "الحقّ موجود، ما بَدُّو شهود".
       وصارت هذه العبارة تجري مجرى المثل في مناسباتها.

          

إضاعةُ الوقت في ما لا يُفيد (3- كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)


إضاعةُ الوقت في ما لا يُفيد

      يُحكى أنَّ رجلًا مَثُل بين يدي الخليفة هارون الرشيد وقال إِنَّه يستطيع أن يفعل العجب. وتناول كميةً من الإبَر، ورمى إبرةً منها إلى الحائط فثبتت فيه. ثم رمى بأُخرى فدخل طرفها في ثقب الأولى. وهكذا دواليك حتى أدخل خمسين إبرة، كلّ واحدة منها في ثقب الأُخرى.
       فسأله الخليفة الرشيد عَمَّا أنفق من الوقت حتى أَتقن ذلك الفنّ.
       قال الرجل: "ثلاثون سنة يا أمير المؤمنين".
       فأمر أمير المؤمنين أن يُعطى الرجُل مئة دينار... وأن يُجلد مئة جلدة.
       فقال مَن كان في مجلس الخليفة: "طال عمرُ أمير المؤمنين، كافأتَ الرجل بمئة دينار، ولكن أي ذنب اقترف حتى أمرت أن يُجلد مئة جلدة!".
       قال هارون الرشيد: "المئة دينار مكافأة على إتقان فنّ جديد.. والمئة جلدة قصاص على إضاعة الوقت في ما لا يفيد".

       وجرى كلام هارون الرشيد مجرى المثل إلى يومنا هذا.

إذا وقَعَ القدر عَمِي البصر (2- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة لسلام الراسي)

سلام الراسي شيخ الأدب الشعبيّ اللبنانيّ

إذا وقَعَ القدر عَمِي البصر

يُحكى أنَّ سيدنا سليمان عليه السلام، الذي أعطاه الله عز وجل موهبة التكلم مع الطيور وفهم لغاتهم، كان قد صادق نسرًا عظيمًا، هو ملك طيور زمانه،  وكان يركب بين جناحيه، فيطير به أجزاء مملكته، كلما أراد التنزه أو الاستكشاف.
وفيما كان النسر محلقًا به أحد الأيام، سأله عما يرى تحته، فقال سليمان: "إني أرى هيكلي العظيم والناس يدخلون ويخرجون".
        ثمّ حلّق به عاليًا وسأله مرة ثانية عمّا يرى، فقال: "إني أرى مدينة القدس مثل رجمة من الحجارة، ولا أميّز هيكلي من سواه".
        ثمّ انطلق النسر إلى أعالي الجوّ وسأله عمّا يرى، فقال سليمان: "إنّي لم أعد أرى شيئًا" فضحك النسر وقال: "ولكنني أرى كلّ شيء على وجه الأرض، إلى درجة أنني أرى الآن، فيما أرى، بالقرب من إحدى الأشجار في جبل الزيتون، نملتين تتقاتلان على حبة من الحنطة".
        فقال سليمان: "يا للعجب! أيمكن أن يكون هذا ممكنًا، أنزلني إذن هناك لأرى بعيني فأصدّق كلامك".
        فهبط النسر بسليمان إلى حيث أراه النملتين وحبّة الحنطة التي كانتا لا تزالان تتنازعانها تحت شجرة الزيتون، فذهل سليمان وأخذ يثني على صديقه النسر ويهنئه على ما حباه الله به من مميزات دون سائر المخلوقات، فجعله بحق سيّد الجوّ وملك المجنّحات.
        فرنّح الغرور عندئذ أعطاف النسر وأخذ يختال تيها واعتدادًا، ولم ينتبه لشرك كان منصوبًا أمامه، فلم يلبث أن وقع فيه وصاح: "بالله عليك أنقذني يا صديقي العزيز".
        فابتسم سليمان وقال له: "كيف قدرت، وأنت في أعالي الجو، أن ترى النملتين وحبّة الحنطة، ولم تقدر الآن، وأنت على الأرض أن ترى هذا الشّرك المنصوب أمامك؟"

        فأجاب النسر: "إذا وقع القدر عمي البصر". وجرى كلام النسر مثلًا منذ ذلك الزمان.

إذا أردت أن تُطاع، فاطلب المُستطاع (1- من كتاب حكايات أدبيّة من الذاكرة الشعبيّة)

سلام الراسي شيخ الأدب الشعبيّ اللبنانيّ

إذا أردت أن تُطاع، فاطلب المُستطاع

       يُحكى أنَّ إحدى القرى كانت تنعم بالسلام والوئام حتى اعتلى كرسي النيابة، عن المنطقة، رجل واسع العقل حسن التدبير، فقدم وفد من تلك القرية مُهنِّئين وقالوا إن قريتهم ما زالت بدون مدرسة وبدون طريق عام للسيارات.
       قال النائب إِنَّه لا يستطيع في الوقت الحاضر أن يؤمِّن غير مطلب واحد من المطلبين، إِمَّا مدرسة وإما طريق، وعليهم أن يختاروا ويردُّوا عليه جوابًا خلال أسبوع لتأمين ما يلزم.
       لكن الجماعة، ما أن انصرفوا حتى اختلفوا، وانقسم أهالي القرية فريقين، فريق يريد المدرسة وآخر يطلب الطريق. واحتدم الجدال والقيل والقال وحميت سوق القتال وبدأ ضرب العصي وسحب الخناجر والمسدَّسات.
       وقبل انقضاء أسبوع حضر المختار وقال للنائب: "سامحك الله! خيَّرتنا حيَّرتنا، كل عمرنا بدون مدرسة وبدون طريق، نرجو منك أن تلغي وعدك لنا ولك الحمد والثناء".
       ولذلك يقول المثل: "إذا أردت أن تُطاع فاطلب المستطاع!".