لماذا هذه المدوّنة؟

إطلاق المدوّنة: 27 تشرين الثاني 2014.
****************
للتذكير: سبق وأنشأنا مدوّنة هذا عنوانها http://arabicsagesse.blogspot.com/

رابط أغنية إنت المعنى (كلمات ماري القصّيفي - لحن روجيه صليبا)

رابط أغنية يا عواميد الحكمة السبعة (كلمات ماري القصّيفي - لحن إيلي الفغالي)

رابط أغنية فوق التلّة الما بتنام (كلمات ماري القصّيفي - اللحن والأداء لنادر خوري)

رابط أغنية يا حكمتنا (كلمات زكي ناصيف - لحن نديم محسن)

رابط أغنية يا عصافير النار (2019 - الصفّ الأساسيّ الثاني C)

رابط أغنية قصّة شادي وكتابو (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس A)

رابط أغنية نسّم علينا الهوا (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس B)

رابط أغنية نقّيلي أحلى زهرة (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس C)

رابط أغنية طيري يا طيارة طيري (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس D)

رابط أغنية أهلا بهالطلّة (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابعِ A)

رابط أغنية شدّوا بالصنّارة (2019- الصفّ الأساسيّ الرابع B)

رابط أغنية طلّوا حبابنا (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابع C)

‏إظهار الرسائل ذات التسميات أأ- الثانويّ الثاني اجتماع واقتصاد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أأ- الثانويّ الثاني اجتماع واقتصاد. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

صحافة لبنان - نصّ للتحليل للصفوف الثانويّة




     ختم العام الماضي نفسه على حدثين محزنين، شخصيًّا ومهنيًّا. الأوّل، إغلاق صحيفة «السفير»، والثاني، الإعلان عن صرف 70 محرّرًا وموظّفًا من «النهار»، التي كانت تضمّ تقليديًّا أكبر عدد من الصحافيّين، بأجيالهم المختلفة. ولا شك أنّ الوضع الاقتصاديّ وأزمة الصحافة الورقيّة عاملان أساسيّان في أحزان الصحافة اللبنانيّة. لكنّ الأستاذة سوسن الأبطح أشارت في مقالها الأسبوعيّ في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى نقطة جوهريّة أخرى، وهي أنّ الصحافة اللبنانيّة الموروثة لم تستطع أن تحوّل نفسها إلى مؤسّسات قابلة للحياة. والحقيقة أنّ الصحافة اللبنانيّة على مدى تاريخها، الذي يزيد على قرن ونصف القرن، كانت صحافة عائليّة، أو شخصيّة. ومنها «النهار» كبرى الصحف وأقدمها، التي ورثها غسان تويني عن والده جبران، ثمّ ورثها ابنه جبران عنه، ثم آلت إلى نايلة، ابنة جبران الكبرى.
     أقدم غسان تويني في عزّ «النهار» أوائل السبعينات، على محاولة رؤيويّة كعادته، بأن جرب تمليك المحرّرين جزءًا من الأسهم، لكنّ المحاولة فشلت، ليس لسبب. وعندما غادرت الصحافة إلى أوروبا، كانت كلّها عائليّة: مجلة «المستقبل» التي أغلقت على يد صاحبها نبيل خوري. و«الوطن العربي» التي أغلقت بعد وفاة مؤسّسها وليد أبو ظهر. وأخيرًا «الحوادث» التي أغلقها ورثة ملحم كرم بعد وفاته، وأغلقوا معها صحيفة «البيرق» في بيروت.
     تستمر بجدّ وجهد «دار الصياد» التي يملكها أبناء الراحل الكبير سعيد فريحة، عصام وبسام وإلهام، وتصدر عنها «الأنوار» و«الصياد» و«الشبكة». وليس من إشارات إلى صعوبات. كما ليس من إشارات إلى طموحات. ولا يزال سعيد فريحة يقوم من رماده كلّ يوم يكتب أجمل عمل صحافيّ في مطبوعات الدار، وأحيانًا، في مطبوعات لبنان. وقد قرأت له قبل أيام «جعبة» مؤرّخة عام 1944 عن عملية شنق في حلب. وفي الأدب الإنجليزيّ مقالة لجورج أورويل عنوانها أيضًا «عملية شنق». وأنا مستعد للمثول أمام أيّ محكمة بتهمة المبالغة أو الجنون. لأنّني أريد التأكيد، أنّ الشنق الكئيب عند أورويل لا شيء، ثمّ لا شيء، أمام التحفة الصحافيّة التي تركها سعيد فريحة يوم كان محرّرًا ناشئًا في حلب.
     وهذا المُعلّم العجيب كانت «الصياد» تباع في حياته من أجله، ولا تزال تباع بسببه. وأعتذر صادقًا من جميع كتابها، وكتّاب لبنان، إذا اقتضى الأمر. لكنّ الأجيال التي تبحث عنها زميلتنا سوسن الأبطح لم يعد ممكنًا أن تنبت في مناخات اليوم. فهذه مهنة الشغف، لا الاحتراف. جميع كبارها غابوا دون أن يحترفوا. غسان تويني كان يسأل محرّريه رأيهم في مقالته وكأنّه يعمل لديهم. ورشدي المعلوف كان يكتب «مختصر مفيد» كلّ يوم على إيقاع الموسيقى الكلاسيكيّة التي يعلم تاريخها. وكامل مروة كان يكتب كلّ افتتاحية كأنّها كتاب تاريخ.
     كان كبار كتّاب الصحافة اللبنانيّة كبار شعراء وكتّاب لبنان. أمين نخلة، والأخطل الصغير، وسعيد عقل، وفؤاد سليمان، وإلياس أبو شبكة، والشيخ عبد الله العلايلي، وعمر فاخوري، وحسين مروة، وتقي الدين الصلح، وفيليب تقلا، ومن لا تتسع الذاكرة لتذكّره. وكان لبنان غير ما هو اليوم، والعرب غير عرب هذا الوقت، والأمّة مشرقة كأنها لن ترى ظلامًا أبدًا. عناصر كثيرة تجمّعت على الصحافة، في لبنان وخارجه. وكم هو لبنان أجرد من دونها.
     إلى اللقاء..
سمير عطا الله*
صحيفة الشرق الأوسط 
                                                                                         2016
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.


الأربعاء، 24 أكتوبر 2018

حفيدُك هو الرجل الصغير لا صغير الرجل (نصّ للفهم والتحليل) للصفوف الثانويّة


الدكتور نسيم خوري محتضنًا حفيده


السؤال الأكبر الذي يشغلنا جميعًا هو: أيّ نوعٍ من الأدمغة تلك التي يحملها أولادنا الصغار وأحفادنا وكم صارت مختلفةً عنّا كثيرًا وتثير إعجابنا؟ 
أسارع إلى الجواب أنّ الأطفال الذين يولدون وينمون ثمّ يستغرقون في المجتمعات الرقميّة المتخمة بالألعاب الإلكترونيّة والأفلام والبرامج والمقابلات والمحادثات القصيرة جدًّا يتحوّلون بشكلٍ لا واعٍ إلى ما يشابه الإنسان الرقميّ الذي يقدّس اللحظة. تلك اللحظة تخلق منهم أصحاب قدرات انتباهيّة واستيعابيّة هائلة تزوّدهم بطاقة قويّة لم نشهدها من قبل، وتسمح لهم، بالطبع، باستيعاب تعقيدات المواقف المتعدّدة.
قد تصعب الأسئلة والمحادثات الطويلة معهم بكونهم صاروا يعتبرون أنفسهم الرجال الصغار  Les Petits Hommes لا صغار الرجال Les Petits des Hommes يعيشون في مجتمع له صفات جديدة متعدّدة ما عادت تنفع فيه النصائح والتوجيهات والأوامر والتقاليد، بعدما عجزت الأفكار والفلسفات والأديان في محاولات مصالحة الإنسان مع التكنولوجيا وصدّه عنها أو ضبطه على الأقلّ. إنّه المجتمع العالميّ حيث انهيار الأرقام وسحقها وهندسة المعرفة والمنازل الذكيّة Smart Home والمدن الآليّةComputerized Cities  وصناعة الأخلاق والقيم  Ethics Industry. 
عالم عجيب من الأرقام والرموز بأنواعها مع الصوت والنصّ والصورة، مع المكتوب والمنطوق، مع المحسوس وغير المحسوس، مع العقل والأسرار البيولوجيّة الدفينة النفسيّة منها، الوهميّة والممكنة. وتنتشر أشياء هذه المعلومات من أدوات المطابخ إلى المفاعلات الذريّة. إنّها صناعات تجهد لإقامة عوالم مصطنعة مركّبة وغير واقعيّة تتقدّم التكنولوجيا فيها كما الماء والغذاء والهواء.
الإنسان الرقميّ/ إبني/ حفيدي/ قريبي وجاري (لا قرابة ولا جيران بادية في المجتمعات الرقميّة) يحمل هويّة وهميّة "سائلة" "مائعة" "متحرّكة"، لكنّها قد لا تأخذ حضورها إلّا خلف الشاشة حيث يعمل الناس معًا وتسقط الأقنعة الدهريّة البشريّة عمليًّا عن بُعد وينتابهم شعورٌ بالإحباط والعجز إن لم ينخرطوا في نسيج القشرة الدماغيّة العليا ووظائفها العالميّة.
تبدو مفاهيم السلطة في الانتساب إلى هذا اللحاء البشري مرعبةً، خصوصًا أنه انتساب يعني في ما يعنيه أنّ واحدنا موصول بالبشرية كلها صامتاً أو هامساً يسمع صداه أو صدى الآخر.
يبدو هذا الإنسان "الرقميّ" أو "الإنترنتيّ" أميركيّ الملامح، نراه في تجمّعات واضحة من الشباب والشابات في عواصم العرب والعالم. تجمّعات غريبة في لباسها وأذواقها وسلوكها وتسريحات شعورها ولغاتها تعيش وتستقي فلسفات الموضة والصرعات من الإنستغرام.
إنّه جيل الوجبات السريعة  Fast Food، المضغوط مثل قناني الـ "كوكاكولا" وجيل الشاشات العملاقة والرقص في الساحات تلويحًا بالأيدي إلى فوق والمغامرات، الجينز وخصوصاً الممزّق لباس العصر أو "الشورت" والأذرع الموشومة بما يقرّبهم من رعاة البقر الأميركيّ في إعلانات السجائر التي تحتلّ واجهات العالم، معتبرين أنّ المعركة تسكع واختلاط على الأرصفة، ورطنة بألسنة إنكليزية لا مكان فيها للغة الأمّ على الإطلاق.
جيل مقبل بلهفة لا تصدق على الجامعات الأميركيّة. وتُعتبر أميركا بالنسبة إلى هؤلاء الشباب الفردوس الأرضيّ، والسرعة في قيادة السيارات مقياس المعاصرة والقوّة، لا فرق بين ذكرٍ وأنثى. لو قُدّر لسكّان المعمورة اختيار الحياة التي يريدون، لانتخبت الغالبيّة العظمى منهم حياة الطبقة الوسطى السائدة في أحياء سان فرنسيسكو، ولاختارت أقليّة منهم مطّلعة على واقع الحال مستويات الرعاية الاجتماعيّة التي كانت سائدة في ألمانيا الغربيّة في السنوات التي سبقت انهيار جدار برلين، ولكانت التشكيلة المترفة التي تجمع بين "فيلا" في البحر الكاريـبي والرفاهية السويديّة حلم الأحلام بالنسبة إليها.
الإنسان الإنترنتيّ/حفيدي هو الإنسان الذي يسأل نفسه ماذا سيحصل بعد بدلاً من السؤال: ماذا سنفعل؟ لا يختفي الإنسان بالطبع، بل يبقى كائنًا حيًّا منسجمًا مع الطبيعة. ولا تعبّر هذه النهايات سوى عن نهايات الحروب والصراعات الدمويّة، ويتوصّل الإنسان، بفضل قدراته الرقميّة، إلى مجتمع تغدو فيه حياته شبيهة بحياة المستلقي في الشمس طوال النهار سعيدًا ما دام قد حصل على غذائه، وراضيًا تمام الرضى بما هو عليه. لا قيمة كبرى لقراءات الكتب المحكومة بالعادة في بعض العواصم الأوروبيّة، إذ ليس مستطاعًا بعد كتابة شيء جديد حول وضعيّة الإنسان والفلسفة لأنّها ترداد قديم للجهالة.
قد يكون مقبولًا لدى أحفادنا، أن يقيم البشر أبنيتهم وأشغالهم كما تبني الطيور أعشاشها إحتفاءً بالعودة إلى الغريزة تمامًا كما تخيط العناكب أعشاشها، وأن يقيموا حفلاتهم على طريقة الضفادع والزيزان. يلعبون كصغار الكائنات، وقد يمتنعون عن الحب ككيانات راشدة.
بصراحة لم أعد أعرف أولادي ولم أتعرّف إلى حفيدي ولا مستقبل وطني.
من يرشدني مستقبلًا إلى معنى الوطن خارج موقعي فوق لوحة المفاتيح والزجاجة السحريّة؟
الدكتور نسيم خوري

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

أولادنا بألف خير - نصّ للصفوف الثانويّة



قبل عهد كوكبنا الدوّار حول الشمس بالتكنولوجيا التي تفاجئنا بين الساعة والأخرى بمولود جديد، يشغل الناس من أوّل الدنيا إلى آخرها، لا سيّما على صعيد وسائل الإعلام والإعلان وتبادل المعلوماتـ وقياسًا بيومنا هذا وبالغد الآتي بتحديّات أكبر، نستطيع القول: إنّ مهنة التعليم لم تكن مهنة المتاعب. ومنذ زمن التعليم بالصوت في ساحات المدن التاريخيّة، مع المعلّم الكبير سقراط، إلى زمن الحبر والورق وقضيب الرمّان، تحت سنديانة الضيعة اللبنانيّة، كان المعلّم أميرًا يكتفي بتوزيع جواهر خزائنه على الساعين إليها، هذه الجواهر التي لا وجود لها خارج أسوار إمارته. ومن هنا نفهم مغزى كلام فلّاح لبنايّ موجَّهًا إلى معلّم ابنه: "اللحم لَ إلك والعضم ل إلنا" وهو بكل تأكيد يقصد لحم ابنه وعظمه.
أمّا اليوم، وأمام التغيّر الأكبر والأسرع في تاريخ الإنسان على وجه الأرض، فقد صار التعليم مهنة تعب بامتياز، ورجاء بامتياز. ويطرح السؤال نفسه بشقّين: أيّ تلميذ أمامنا؟ وأيّ معلّم نريد؟
وفي بداية الإجابة عن الشقّ الأوّل، لا بدّ لي من مخالفة كلّ ندّابي القيم عندنا، ورثّائي جمالات إنسان الأمس، لأنّني لا أوافقهم الرأي في أنّ الإنسان قد مات في الإنسان، وإنّ أولادنا اليوم هم أقلّ منّا إيمانًا ووطنيّة واحترامًا... لا بل إنّني أرر إنسانًا جديدًا وجميلًا ولذيذًا. والإيمان، بعد عهد الناس بالمعرفة، صار أحلى، فلا أجمل من مخلوق ينسج بينه وبين خالقه علاقة حميمة، بعيدًا عن الخوف واصطكاك الأسنان التوراتيّ؛ والالتزام بالوطن على أسس الحريّة وحقوق الإنسان والخروج من سراديب العشائريّة والعائليّة والمناطقيّة، وصولًا إلى مفهوم الحزبيّة، لهو غاية الكمال في حبّ الأوطان؛ والاحترام الذي لا يلده الخوف بل العلاقة المتوّجة بالمحبّة والحوار وحده الاحترام الحقيقيّ...
إذًا، علينا أوّلًا ألّا نكون قليلي الرجاء والإيمان بأولادنا، وألّا نحمّلهم تبعات ذنب لم يقترفوه، فهم أولاد زمن تحوّلات كبرى، من الممكن أن نجعلهم ضحاياه، ومن الممكن أن والواجب أيضًا أن نستقبلهم خمرًا جديدة، في جرار جديدة، ونرى فيهم استمراريّة الجمال وديمومته، الجمال الذي لا يموت لأنّ الله لا يموت.
تلميذنا، اليوم، إنسان طيّب، وهو وإن قصد المدرسة طلبًا للمعرفة، فهو قادر على الذهاب إليها وفي جعبته طرائد جميلة ونادرة، ليس في حاجة إلى مطاردتها في السماء الخضراء المستلقية على حائط الصفّ، والمعلّم ما عاد بئر المعرفة الوحيدة، وصار الأمير العاديّ والشعبيّ يسير بين الناس بلا حرّاس، يعلّم ويتعلّم في آن واحد، ويتهيّ الوقفة، كلّ صباح، بين طلّابه، بقدر ما يعي المسؤوليّة الكبيرة الملقاة على عاتقه.
تلميذ اليوم ليس يحتاج في المدرسة إلى أن يعرف أكثر مما يحتاج إلى أن يشعر بالحبّ الذي لا يسمح له بالتغيّب عن الصفّ، والحبّ لا ينفصل عن الفرح، وإنّ معلّمًا ليس في وجهه مساحة مخصّصة لابتسامة دائمة، سوف يبقى باحثًا عن مفتا ذهبيّ لبوّابة صعبة لا تستجيب لأيّ شكل من أشكال العبوس والفوقيّة والتسلّط. طلّابنا ينشدون الحنان، ويخشون على ريش أجنحتهم منّا، ويخافون أن نصادر ما يحبّون موما يرغبون فيه من أفكار ومعارف هي في طريق صيرورتها نهجَ حياة وبطاقةَ هويّة لهم...
وفي قراءتنا لتلميذ اليوم، تتشكّل أمامنا صورة المعلّم الذي نريد.
نريد معلّمًا يعرف حجم العاصفة العملاقة التي تهبّ على الدنيا من شاشات الفضائيّات والإنترنت.
نريد معلّمًا يعرف أنّه يواجه إنسانًا جديدًا جاهزًا لأن تكون له حديقة قيمٍ يتلاءم تجلّيها وتجسيدها مع عصره، ومع النضج المعرفيّ. ومن الخطأ أن نثبت رأسه تحت سقف المعايير القيميّة التي كانت سارية المفعول في الأمس.
فلنعترف بأنّ الدنيا تغيّرت كثيرًا، ولنعترف بأنّ المعرفة زاد خطرها على الإنسان إن لم تُقرن بالمحبّة والفرح، ولنعمل معًا على إنسان ممتلئ أحاسيس ومشاعر نبيلة، لأنّ التكنولوجيا امرأة لا يجفّ لها رحم، وتزداد قدرة على الإنجاب يومًا بعد يوم. وفي صقيع عالم الآلة والأسلاك والحديد لا رهانَ إلّا على جمرة العاطفة لتوسيع مساحة الشعور في الإنسان وتنبيه كلّ خلاياه.
نحن مدعوون، اليوم، إلى الحبّ الكبير وليس إلى المعرفة الكبيرة، وعلينا أن نكثّف في المدارس نوافير الحنان. والمعلّمون وحدهم لا يستطيعون اجتراح المعجزة إذ إنّ الإدارات والأهالي مطلوب منهم التجذيف في الاتّجاه عينه.
أولادنا بألف خير، وهم أفضل منّا بكثير، فتعالوا نضيء لهم صدورنا واحات أمان، ولترعَ نجمة الحبّ هذا الإبحار الصعب والجميل.


قزحيا ساسين

صحيفة النهار
الاثنين 22 آذار 2004


الخميس، 21 يونيو 2018

أينَ تكمنُ قيمةُ الإنسانِ؟ - امتحان حزيران 2018 - الثانويّ الثاني- اجتماع واقتصاد

تمثال في اليابان يظهر أنّ قيمة الانسان تقاس بعدد الكتب التي يقرأها


أينَ تكمنُ قيمةُ الإنسانِ؟
يظنُّ الكثيرُ منَ الناسِ أنَّ قيمةَ الإنسانِ تكمنُ في ما تفضّلَ اللهُ عليْهِ منْ عِلمٍ وَمواهبَ وَنِعَمٍ كَالأموالِ وَالمواقعِ الاجتماعيّةِ وَالرسميّةِ البارزةِ وَالشهاداتِ العلميّةِ وَلذلكَ فَإنَّهم يتعاملونَ معَهم على هذا الأساسِ وَيُقدّمونَ لهم كلَّ آياتِ الاحترامِ وَالتمجيدِ بل يصلُ الأمرُ أحيانًا لِدرجةِ التقديسِ، غيرَ إنَّ هؤلاءِ ينقسمونَ إلى فئتينِ، فئةٍ تقومُ بذلك عنْ جهلٍ مُعتقدينَ أنَّ هؤلاءِ همُ النموذجُ المُحتذى بِسببِ الشعورِ بالنقصِ إزاءَ المستلزماتِ التي يمتلكونَها وَكانَتْ سببًا لِتبوّئِهم تلكَ المواقعِ؛ أمّا الفئة الأخرى فإنّها تؤدّي هذا الدور تملّقًا عن علم مسبق لتحقيق مصالح شخصيّة وفي الوقت نفسه قد يضمر بعض أفراد هذه الفئة لهم الحسد أو الحقد.
وَهذا المعيارُ لا يمكنُ أنْ يُحتذى بِهِ لِأنَّهُ غيرُ قائمٍ على أساسٍ علميٍّ أوْ منطقيٍّ، فَالعلمُ وَالمنطقُ يَعِدانِ أنَّ قيمةَ الإنسانِ تكمنُ في مقدارِ المنفعةِ التي يُقدّمُها لِلناسِ وَعددِ المستفيدينَ منْ هذهِ المنفعةِ وَكذلكَ في مقدارِ الضررِ الذي يرفعُهُ عنْهم وَعددِ المشمولينَ بِذلكَ. وَلِذا، فَإنَّنا نعتقدُ بأنَّ العالِمَ، سواءٌ أَكانَ في العلومِ الدينيّةِ أم في العلومِ الدنيويّةِ، ليسَ لَهُ أيّةُ قيمةٍ تُذكرُ مهما بلغَ علمُهُ، ما لمْ يوظّفْ هذا الخزينُ العلميُّ وَهذهِ الموهبةُ الربّانيّةُ في خدمةِ أبناءِ جلدتِهِ منْ خلالِ التصدّي لِلمشاكلِ وَالمعضلاتِ التي يواجهونَها منْ أجلِ جعلِ حياتِهم أفضلَ وَدفعِها بِاتّجاهِ الازدهارِ وَالرفاهيّةِ بِوتيرةٍ متصاعدةٍ وَمستمرّةٍ وصولًا إلى أكبرِ قدرٍ منَ السعادةِ لِأكبرِ عددٍ منَ الناسِ، وَتكونُ القيمةُ أكبرُ كلَّما اتَسعَتْ دائرةُ الاستفادةِ إلى أعدادٍ أخرى وَمجتمعاتٍ أخرى، وَإنْ لمْ يفعلوا ذلك فما هوَ فضلُهم على الآخرينَ وَما هوَ فرقُهم عنِ الجهَلَةِ وَالأُمّيّينَ؟
وَلو ألقيْنا نظرةً بسيطةً على ما موجودٌ في بلادِنا العربيّةِ منْ علماءَ وَشخصيّاتٍ وَمثقّفينَ وَأثرياءَ، لَوجدْنا أعدادًا تحسدُنا كلُّ الشعوبِ عليْها، وَلوْ ألقيْنا نظرةً أخرى على مشاكلِنا وَعلى ما نُعانيهِ منْ تخلّفٍ وَجهلٍ وَمرضٍ وَانتهاكاتٍ لِلحقوقِ وَالحرّيّاتِ الفرديّةِ وَالجماعيّةِ وَتمزّقٍ خطيرٍ لِلنسيجِ الاجتماعيِّ على كلِّ المستوياتِ في الجسدِ الوطنيِّ وَالقوميِّ وَالدينيِّ، لِتوصّلَنا إلى استنتاجٍ خطيرٍ وَمثيرٍ يؤكّدُ أنَّ مجتمعَنا خالٍ منْ أيٍّ ممّا ذكرْنا بلْ على العكسِ منْ ذلكَ، فَقدْ تأكّدَ لدى القاصي وَالداني، أنَّ ما نتوفّرُ عليْهِ هم علماءُ وَأثرياءُ وَشخصيّاتٌ تُمسكُ بِالمعاولِ وَتهدمُ ما تبقّى منْ آثارٍ لِكيانٍ ورقيٍّ اسمُهُ وطنٌ وَأمّةٌ.
وَهذا الوصفُ التراجيديُّ لم ينبعْ منْ فراغٍ وَلا ينمُّ عنْ نظرةٍ سوداويّةٍ فلا يجوزُ أنْ نيأسَ منْ رحمةِ اللهِ وَلا يعني في كلِّ الأحوالِ، أنَّنا عدمْنا الأخيارَ، وَلكنَّ لِلباطلِ عضلاتٍ قويّةً، وَالأخيارَ أوّلُ المستهدفينَ وَليسَ أمامَ شعوبِنا منْ سبيلٍ إلى النجاةِ إلّا التوحّدُ وَالتصدّي لِلأشرارِ بِأيِّ لونٍ أوْ شكلٍ أو صفةٍ جاءوا، فقد تبيّنَ الرشدُ منَ الغَيِّ، وَالخيطُ الأبيضُ منَ الخيطِ الأسودِ، وَلاعذرَ بعدَ اليومِ لِكلِّ قادرٍ أنْ يؤدّيَ ما يقدرُ عليْهِ وَلتتوقّفِ اختلافاتُ العربِ جميعًا وَاقتِتالُهم على كلِّ المستوياتِ الوطنيّةِ وَالقوميّةِ وَالدينيّةِ، وَليدركِ الجميعُ أنَّ الذي يحدثُ بينَهم الآنَ تنفّذُهُ أطرافٌ ثالثةٌ ضدَّ هذا الطرفِ أو ذاكَ، تاركةً بصماتِ الطرفِ الآخرِ على الجريمةِ، لِإشعالِ الفتنةِ وَإيقادِها وَتغذيتِها، وَليسَ لِلمواطنينَ يدٌ بِهِ أو دورٌ فيهِ عدا الأشرارِ مِمّنْ ذكرْنا وَالمنحرفينَ، أو بعضِ مَنْ تنطلي عليْهِ اللعبةُ وَيبتلعُ الطعمَ، فلا يتحمّلُ حجمَ الضررِ الكبيرِ الذي يلحقُ بِهِ، فَيَنساقُ خلفَ عواطفِهِ وَشهواتِهِ بِدونِ رؤيةٍ أو رَوِيّةٍ، فَتصدرُ عنْهُ ردّةُ فعلٍ ضدَّ إخوانِهِ، وَبِدونِ أن يعيَ أو يُدركَ أنَّ ما يفعلُهُ هوَ المطلوبُ، وَهوَ الذي يريدُهُ الأعداءُ، معَ أنَّ ماتتناقلُهُ وسائلُ الإعلامِ في كلِّ لحظةٍ يؤكّدُ بِما لا يدعُ مجالًا ِللشكِّ، أنَّ ما يحصلُ يستهدفُ وحدةَ الشعبِ والأمّةِ.
وَهكذا إذًا، فَإنَّنا يجبُ أنْ نُقيّمَ الإنسانَ على مقدارِ ما يصدرُ عنْهُ منْ قولٍ أو فعلٍ، يجلبُ نفعًا أو يدفعُ أذًى، أو الاثنينِ معًا، وَعلى مقدارِ هذا النفعِ أو الأذى المدفوعِ، وعلى عددِ المستفيدينَ منْ ذلكَ في حينِ تكونُ القيمةُ مساويةً بِالمقدارِ، وَمعاكسةً بِالاتّجاهِ عندَ حدوثِ الفعلِ المناقضِ الذي يجلبُ الضررَ وَيمنعُ دفعَ الموجودِ منْهُ بدلًا منْ جلبِ المنفعةِ.
                                                                                    غازي الجبّوري - موقع نور الإلكترونيّ
                                                                                   24 تشرين الثاني 2007 - بتصرّف

أوّلًا: في الفهم والتحليل (تسع علامات)
1- إنطلاقًا منَ الحاشيةِ، ما النوع الأدبيّ الذي ينتمي إليه النصُّ؟ (1)
2- ما النمطُ الغالبُ على الفقرةِ الثانيةِ منَ النصِّ؟ علّلْ جوابَكَ بِمؤشّرَينِ مدعّمَينِ بِشواهدَ نصّيّةٍ. (3)
3- ما وظيفتا الكلامِ في الفقرةِ الثالثةِ منَ النصِّ ؟ إدعمْ جوابَكَ بِشواهدَ نصّيّةٍ. (2)
4- ما الوظيفةُ السياقيّةُ لأداتَيْ الربط لو (م2) – وهكذا إذًا (م5). (1)
5- أعِدْ كتابةَ ما يأتي، ضابطًا أواخرَ الكلماتِ فيهِ. (2)
أمّا الفئة الأخرى فإنّها تؤدّي هذا الدور تملّقًا عن علم مسبق لتحقيق مصالح شخصيّة وفي الوقت نفسه قد يضمر بعض أفراد هذه الفئة لهم الحسد أو الحقد. (لا يُعتبرُ الضميرُ آخرَ الكلمةِ)


ثانيًا: في التعبير الكتابيّ (ثماني علامات)
            الموضوع: يعتبرُ البعضُ أنَّ قيمةَ الإنسانِ تكمنُ في ما يحويهِ منْ مالٍ، وَما يملكُهُ منْ أراضٍ وَمبانٍ، في حين يعتبرُ بعضٌ آخرُ أنَّ قيمةَ الإنسانِ تكمنُ في ما حصّلَهُ منْ أخلاقٍ وَتعليمٍ وَثقافةٍ.
اكتبْ مقالةً متماسكةَ الأجزاءِ، تناقشُ فيها هذينِ الرأيينِ، ثمَّ تُبدي رأيَكَ الخاصَّ في معيارِ قياسِ قيمةِ الإنسانِ في مجتمعِنا المعاصرِ، واضعًا عنوانًا مناسبًا لمقالتِكَ، داعمًا أفكارَكَ بشواهدَ منْ واقعِ الحياةِ.
جدول قياس العلامة:
قسّم موضوعه وفق منهجيّة بنية المقالة ووضع عنوانًا مناسبًا
0.5
قدّمَ لموضوعه وطرح الإشكاليّات في المقدّمة
1
عرض كلَّ رأيٍ في فقرة مستقلّة وتوسّع فيهما ومثّل عليهما
3
عرض رأيه الخاصّ وتوسّع فيه ومثّل عليه
1
ختم موضوعه وفتح آفاقًا جديدة
1
كتب بلغة سليمة مراعيًا قواعد اللغة والإملاء
1
كتب بخطّ واضح ومقروء وحافظ على النظافة والترتيب
0.5

ثالثًا: في الثقافةِ الأدبيّة العالميّة (ثلاث علامات)
          ربَّما كانَ هناكَ بيتٌ، في تلكَ الناحيةِ، يُشرِّعُ بابَهُ على الأبدِ، تاركًا لأشعّةِ الشمسِ الطالعةِ، هذا الصباحَ، أن تؤدّيَ رسالتَها، فتُرسِلُ نورَها الساطعَ. وربّما كانَ هناكَ قلبٌ، هذا الصباحَ، توحي إليْهِ الزهورُ المتفتِّحةُ في الحدائقِ وعلى الأسْيِجَةِ، بمعنى العطاءِ السالكِ طريقَهُ أبدًا عبرَ العصورِ.
                                                                             جنى الثمار – 66
حلّلْ هذه المقطوعةَ شارحًا رموزَها.


****
أسس تصحيح إمتحان نهاية السنة 2018

أ- في الفهم والتحليل:
1- النصّ مستخرج من صحيفة نور الإلكترونيّة، إذًا هو مقالة. (1)
2- النمط الغالب على الفقرة الثانية هو البرهانيّ (1). مؤشّران مدعّمان بشواهد نصّيّة لكلّ واحد علامة (1*2)
3- وظيفتا الكلام: الإنفعاليّة (0.5) ضمائر المتكلّم: تعلّمـنا (0.5) والفنّيّة (0.5) بلاغة: طباق: القاصي والداني (0.5)
4- لو: تفيد الشرط أي ربط السبب بالنتيجة، فربطت سبب إلقاء النظرة بنتيجة إيجاد أعداد تحسدنا عليها الشعوب (0.5)
وهكذا إذًا: تفيد الإستنتاج أنّه علينا تقييم الإنسان وفق ما يصدر عنه من قول وفعل. (0.5)
5- أمّا الفئةُ الأخرى فَإنَّها تؤدّي هذا الدورَ تملّقًا عنْ علمٍ مسبقٍ لِتحقيقِ مصالحَ شخصيّةٍ وَفي الوقتِ نفسِهِ قدْ يضمرُ بعضُ أفرادِ هذهِ الفئةِ لهمُ الحسدَ أوِ الحقدَ. (يحسم لكلّ خطأ 0.5= أربعة أخطاء صفر)
ب- في التعبير الكتابيّ:
قسّم موضوعه وفق منهجيّة بنية المقالة ووضع عنوانًا مناسبًا
0.5
قدّمَ لموضوعه وطرح الإشكاليّات في المقدّمة
1
عرض كلَّ رأيٍ في فقرة مستقلّة وتوسّع فيهما ومثّل عليهما
3
عرض رأيه الخاصّ وتوسّع فيه ومثّل عليه
1
ختم موضوعه وفتح آفاقًا جديدة
1
كتب بلغة سليمة مراعيًا قواعد اللغة والإملاء
1
كتب بخطّ واضح ومقروء وحافظ على النظافة والترتيب
0.5

ج- في الثقافة الأدبيّة العالميّة:
فعل الإيمان "أخذ وإعطاء"، فالقلب المؤمن يفتح بابه ليأخذ رسالة من الله (بيت يشرّع بابه... تاركًا لأشعّة الشمس...)، وَمنْ ثَمَّ يُعطيها عطرًا فوّاحًا للآخرين، شأنه شأن الزهرة الفوّاحة التي تهِب عطرها من دون أن تسأل عن المتلقّي. (وربّما كان هناك قلب، هذا الصباح، توحي إليه الزهور... بمعنى العطاء...) (3)