لماذا هذه المدوّنة؟

إطلاق المدوّنة: 27 تشرين الثاني 2014.
****************
للتذكير: سبق وأنشأنا مدوّنة هذا عنوانها http://arabicsagesse.blogspot.com/

رابط أغنية إنت المعنى (كلمات ماري القصّيفي - لحن روجيه صليبا)

رابط أغنية يا عواميد الحكمة السبعة (كلمات ماري القصّيفي - لحن إيلي الفغالي)

رابط أغنية فوق التلّة الما بتنام (كلمات ماري القصّيفي - اللحن والأداء لنادر خوري)

رابط أغنية يا حكمتنا (كلمات زكي ناصيف - لحن نديم محسن)

رابط أغنية يا عصافير النار (2019 - الصفّ الأساسيّ الثاني C)

رابط أغنية قصّة شادي وكتابو (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس A)

رابط أغنية نسّم علينا الهوا (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس B)

رابط أغنية نقّيلي أحلى زهرة (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس C)

رابط أغنية طيري يا طيارة طيري (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس D)

رابط أغنية أهلا بهالطلّة (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابعِ A)

رابط أغنية شدّوا بالصنّارة (2019- الصفّ الأساسيّ الرابع B)

رابط أغنية طلّوا حبابنا (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابع C)

‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب دمعة وابتسامة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتاب دمعة وابتسامة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 31 يناير 2017

يا خَليلي الفقير (24- من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

سلطانة شقيقة جبران خليل جبران بريشته

يا خَليلي الفقير
      
       يا من وُلدت على مهد الشقاء وربيت على أحضان الذلّ وشببت في منازل الاستبداد، أنت الّذي تأكل خبزك اليابس بالتنهّد وتشرب ماءك العكر ممزوجًا بالدموع والعبرات.
       ويا أيّها الجنديّ المحكوم عليه من شرائع البشر الظالمة بأن يترك رفيقته وصغاره ومحبّيه ويذهب إلى ساحة الموت من أجل طمعٍ يدعونه الواجب.
       ويا أيّها الشاعر الّذي يعيش غريبًا في وطنه ومجهولاً بين معارفه ويرضى من العيش بمضغة ومن الحطام بالحبر والورق.
       ويا أيّها السجين المطروح في الظلمة من أجل ذنب صغير جسّمه غيّ الّذين يقابلون الشرّ بالشرّ واستغربتهُ عاقلة الألى يرومون الإصلاح بواسطة الفساد.
       وأنتِ أيّتها المسكينة الّتي وهبها الله جمالاً رآه فتى العصر فاتّبعك وغَرّك وتغلّب على فقرك بالذهب فاستسلمت له وغادرك فريسة ترتعد بين مخالب الذلّ والتعاسة.
       أنتم يا أحبّائي الضعفاء شهداء شرائع الإنسان، أنتم تعساء وتعاستكم نتيجة بغي القوي وجور الحاكم وظلم الغني وأنانيّته عبد الشهوات.
       لا تقطنوا، فمن مظالم هذا العالم، من وراء المادّة، من وراء الغيوم، من وراء الأثير، من وراء كل شيء، قوّة هي كلّ عدل وكلّ شفقة وكلّ حنوّ وكلّ محبّة.
       أنتم مثل أزهار نبتت في الظلّ. سوف تمرّ نسيمات لطيفة وتحمل بذوركم إلى نور الشمس فتحيون هناك حياة جميلة.
       أنتم نظير أشجار عارية مثقلة بثلوج الشتاء. سوف يأتي الربيع ويكسوكم أوراقًا خضراء غضّة.
       سوف تمزّق الحقيقة غشاء الدمع الحاجب ابتساماتكم.

أنا أُقبّلكم يا إخوتي وأحتقر مضطهدكم.

مناحة في الحقل (23 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

لوحة لجبران خليل جبران

مناحة في الحقل
        عند الفجر قبيل بزوغ الشمس من وراء الشفق جلست في وسط الحقل أُناجي الطبيعة. في تلك الساعة المملوءة طهرًا وجمالاً بينما كان الإنسان مستترًا طيّ لحف الكرى تنتابه الأحلام تارة واليقظة أخرى كنت متوسّدًا الأعشاب أستفسر كلّ ما أرى عن حقيقة الجمال وأستحكي ما يرى عن جمال الحقيقة.
        ولما فصلت تصوّراتي بيني وبين البشرّيات وأزاحت تخيّلاتي برقع المادّة عن ذاتي المعنويّة شعرت بنموّ روحيّ يقرّبني من الطبيعة ويبيّن لي غوامض أسرارها ويفهمني لغة مبتدعاتها.
        وبينما كنت على هذه الحالة مرّ النسيم بين الأغصان متنهدًا تنهّد يتيم يائس، فسألت مستفهمًا: لماذا تتنهّد يا أيّها النسيم اللطيف؟
فأجاب: لأنّني تتعلّق بأذيالي النقيّة مكروبات الأمراض وتتشبّث بي أنفاس البشر السامّة. من أجل ذلك تراني حزينًا.
        تمّ التفتُّ نحو الأزهار فرأيتها تذرف من عيونها قطرات الندى دمعًا، فسألت: لماذا البكاء يا أيتها الأزهار الجميلة؟ فرفعت واحدة منهنّ رأسها اللطيف وقالت: نبكي لأنّ الإنسان سوف يأتي ويقطع أعناقنا ويذهب بنا نحو المدينة ويبيعنا كالعبيد ونحن حرائر، وإذا ما جاء المساء وذبلنا رمى بنا إلى الأقدار. كيف لا نبكي ويد الإنسان القاسية سوف تفصلنا عن وطننا الحقل؟
        وبعد هنيهة سمعت الجدول ينوح كالثكلى، فسألته: لماذا تنوح يا أيّها الجدول العذب؟ فأجاب: لأنّني سائر كرهًا إلى المدينة حيث يحتقرني الإنسان ويستعيض عنّي بعصير الكرمة ويستخدمني لحمل أدرانه. كيف لا أنوح وعن قريب تصبح نقاوتي وزرًا وطهارتي قذرًا؟
ثمّ أصغيت فسمعت الطيور تغنّي نشيدًا محزنًا يحاكي الندب فسألتها: لماذا تندبين يا أيّتها الطيور الجميلة؟ فاقترب منّي عصفور ووقف على طرف الغصن وقال: سوف يأتي ابن آدم حاملاً آلة جهنّميّة تفتك بنا فتك المنجل بالزرع، فنحن نودّع بعضنا بعضًا لأنّنا لا ندري من منّا يتملّص من القدر المحتوم. كيف لا نندب والموت يتبعنا أينما سرنا؟
        طلعت الشمس من وراء الجبل وتوّجت الجبل رؤوس الأشجار بأكاليل ذهبيّة وأنا أسأل ذاتي: لماذا يهدم الإنسان ما تبنيه الطبيعة؟

       

في مَدينَة الأمواَت (22 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

لوحة لجبران خليل جبران

في مَدينَة الأمواَت
       تملّصت بالأمس من غوغاء المدينة وخرجت أمشي في الحقول الساكنة حتّى بلغت أكمّة عالية ألبستها الطبيعة أجمل حلاها، فوقفت وقد بانت المدينة بكلّ ما فيها من البنايات الشاهقة والقصور الفخمة تحت غيمة كثيفة من دخان المعامل.
       جلست أتأمّل عن بُعد بأعمال الإنسان فوجدت أكثرها عناء فحاولت في قلبي ألّا أفكّر بما صنعه ابن آدم وحوّلت عينيّ نحو الحقل كرسيِّ مجد الله فرأيت في وسطه مقبرة ظهرت فيها الأجداث الرخاميّة المحاطة بأشجار السرور.
       هناك بين مدينة الأحياء ومدينة الأموات جلست أفكّر في كيفيّة العراك المستمرّ والحركة الدائمة في هذه، وفي السكينة السائدة والهدوء المستقرّ في تلك. من الجهة الواحدة آمال وقنوط، ومحبّة وبغضة، وغنى وفقر، واعتقاد وجحود، ومن الأخرى تراب في تراب تقلّب الطبيعة بطنه ظاهرًا وتبدع منه نباتًا ثمّ حيوانًا، وكلّ ذلك يتمّ في سكينة الليل.
       بينا أنا مستسلم لعوامل هذه التأمّلات استلفت ناظري جمع غفير يسير الهويناء تتقدّمه الموسيقى وتملأ الجو ألحانًا محزنة. موكب جمع الفخامة والعظمة وآلف بين أشكال الناس. جنازة غنيّ قويّ. رفات ميت يتبعه الأحياء وهم يبكون ويولولون ويبثّون بالهواء الصراخ والعويل.
بلغوا الجبّانة فاجتمع الكهّان يصلّون ويبخّرون، وانفرد الموسيقيّون ينفخون الأبواق وبعد قليل انبرى الخطباء فأبّنوا الراحل بمنتقيات الكلام، ثمّ الشعراء فرثوه بمنتخبات المعاني، وكلّ ذلك كان يتمّ بتطويل مملّ. وبعد قليل انقشع الجمع عن جدث تسابق في صنعه الحفّارون والمهندسون وحوله أكاليل الأزهار المنّمقة بأيدي المتفنّنين.
       رجع الموكب نحو المدينة وأنا أنظر من بعيد وأفكّر.
       ومالت الشمس نحو الغروب واستطالت أخيلة الصخور والأشجار وأخذت الطبيعة تخلع أثواب النور.
       في تلك الدقيقة نظرت فرأيت رجلين يقلّان تابوتًا خشبيًّا ووراءهما امرأة ترتدي أطمارًا بالية وهي حاملة على منكبيها طفلاً رضيعًا وبجانبها كلب ينظر إليها تارة وإلى التابوت أخرى. جنازة فقير حقير، وراءها زوجة تذرف دموع الأسى وطفل يبكي لبكاء أمّه وكلب أمين يسير في مسيرة حزن وكآبة.
       وصل هؤلاء إلى المقبرة وأودعوا التابوت حفرة في زاوية بعيدة عن الأجداث الرخامية ثمّ رجعوا بسكينة مؤثرة والكلب يتلفّت نحو محطّ رحال رفيقه حتّى اختفوا عن بصري وراء الأشجار.
       فالتفتّ إذ ذاك نحو مدينة الأحياء وقلت في نفسي: تلك للأغنياء الأقوياء. ثمّ نحو مدينة الأموات وقلت: هذه للأغنياء الأقوياء. فأين موطن الفقير الضعيف يا ربّ؟

       قلت هذا ونظرت نحو الغيوم المتلبّدة الملتوّنة أطرافها بذهب من أشعّة الشمس الجميلة، وسمعتُ صوتًا من داخلي يقول: هناك.

طفلان (21- من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

لوحة لجبران خليل جبران

طفلان
                وقف الأمير على شرفة القصر ونادى الجموع المزدحمة في تلك الحديقة وقال: أبشرّكم واهنّئ البلاد، فالأميرة قد وضعت غلامًا يحيي شرف عائلتي المجيد ويكون لكم فخرًا وملاذًا ووارثًا لما أبقته أجدادي العظام. افرحوا وتهلّلوا فمستقبلكم صار مناطًا بسليل المعالي.
        فصاحت تلك الجموع وملأت الفضاء بأهازيج الفرح متأهّلة بمن سوف يربّى على الترف ويشبّ على منصّة الإعزاز ويصير بعد ذلك حاكمًا مطلقًا برقاب العباد، ضابطًا بقوّته أعنّة الضعفاء، يفرحون ويغنّون الأناشيد ويعاقرون كاسات السرور.
        وبينما سكّان تلك المدينة يمجّدون القويّ ويحتقرون ذواتهم ويتغنّون باسم المستبدّ والملائكة تبكي على صغرهم كان في بيت حقير مهجور امرأة مطروحة على سرير السقام تضمّ إلى صدرها الملتهب طفلاً ملتفًّا بأقمطة بالية.
        صبيّة كتبت لها الأيّام فقرًا والفقر شقاء فأهملها بنو الإنسان زوجة أمات رفيقَها الضعيف ظلمُ الأمير القويّ. وحيدة بعثت إليها الآلهة في تلك الليلة رفيقًا صغيرًا يكبّل يديها دون العمل والارتزاق.
        ولما سكنت جلبة الناس في الشوارع وضعت تلك المسكينة طفلها على حضنها ونظرت في عينيه اللامعتين وبكت بكاءً مرًّا، كأنّها تريد أن تعمّده بالدموع السخينة، وقالت بصوت تتصدّع له الصخور: لماذا جئت يا فلذة كبدي من عالم الأرواح؟ أطمعًا بمشاطرتي الحياة المرّة؟ أرحمة بضعفي؟ لماذا تركت الملائكة والفضاء الواسع وأتيت إلى هذه الحياة الضعيفة المملوءة شقاء ومذلّة؟ ليس عندي يا وحيدي إلاّ الدموع، فهل تتغذّى بها بدلاً من الحليب؟ وهل تلبس ذراعيّ العاريتين عوضًا عن النسيج؟ صغار الحيوان ترعى الأعشاب وتبيت في أوكارها آمنة، وصغار الطير تلتقط البذور وتنام بين الأغصان مغتبطة، وأنت يا ولد ليس إلاّ تنهداتي وضعفي.
        حينئذٍ ضمّت الطفل إلى صدرها بشدّة كأنّها تريد أن تجعل الجسدين جسدًا واحدًا، ورفعت عينيها نحو العلاء وصرخت: ارفق بنا يا ربّ!

ولما انقشعت الغيوم عن وجه القمر دخلت أشعّته اللطيفة من نافذة ذلك البيت الحقير وانسكبت على جسدين هامدين.

شعراء المهجَر (20 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

من اليمين: ميخائيل نعيمه، عبد المسيح حدّاد ، جبران خليل جبران، نسيب عريضة
من شعراء الرابطة القلميّة

شعراء المهجَر

       لو تخيّل الخليل أنّ الأوزان الّتي نظّم عقودها وأحكم أوصالها ستصير مقياسًا لفضلات القرائح وخيوطًا تعلّق عليها أصداف الأفكار لنثر تلك العقود وفصم عرى تلك الأوصال.
       ولو تنبّأ المتنبّي وافترض الفارض أنّ ما كتباه سيصبح موردًا لأفكار عقيمة ومقودًا لرؤوس مشاعير يومنا لهرقا المحابر في محاجر النسيان وحطّما الأقلام بأيدي الإهمال.
       ولو درت أرواح هوميروس وفرجيل وأعمى المعرّة وملتون أنّ الشعر المتجسّم من النفس المشابهة الله سيحطّ في منازل الأغنياء لبعدت تلك الأرواح عن أرضنا واختفت وراء السيارات.
       ما أنا من المتعنّتين، لكن يعزّ عليّ أن أرى لغة الأرواح تتناقلها ألسنة الأغنياء، وكوثر الآلهة يسيل على أقلام المدّعين، ولست منفردًا في وهدة الاستياء بل رأيتني واحدًا من كثيرين نظروا الضفدع تنتفخ تمثلاً بالجاموس.
       الشعر يا قوم روح مقدّسة متجسّمة من ابتسامة تحيي القلب أو تنهدة تسرق من العين مدامعها. أشباح مسكنها النفس وغذاؤها القلب ومشربها العواطف، وإن جاء الشعر على غير هذه الصور فهو كمسيح كذّاب نبذه أوقى.
       فيا إلهة الشعر، يا أدانو، اغتفري ذنوب الألى يقتربون منك بثرثرة كلامهم ولا يعبدونك بشرف أنفسهم وتخيّلات أفكارهم.
       ويا أرواح الشعراء الناظرة إلينا من أعالي عالم الخلود، ليس لنا عذر لتقدّمنا من مذابح زيّنتموها بلآلى أفكاركم وجواهر أنفسكم سوى أنّ عصرنا هذا قد كثرت فيه قلقلة الحديد وضجيج المعامل فجاء شعرنا ثقيلاً ضخمًا كالقطارات ومزعجًا كصفير البخار.

       وأنتم أيّها الشعراء الحقيقيّون سامحونا، فنحن من العالم الجديد نركض وراء المادّيّات، فالشعر عندنا صار مادّة تتناقلها الأيدي ولا تدري بها النفوس.

زيارة الحكمة (19 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

سرير جبران خليل جبران في المتحف الذي يحمل اسمه في بشرّي

زيارة الحكمة
        في هدوء الليل جاءت الحكمة ووقفت بقرب مضجعي ونظرت إليّ نظرة الأمّ الحنون ومسحت دموعي وقالت: سمعت صراخ نفسك فأتيت لأعزّيها. أبسط قلبك أمامي فاملأه نورًا: سلني فأُريك سبيل الحق. فقلت: من أنا أيّتها الحكمة وكيف سرت إلى هذا المكان المخيف؟ ما هذه الأماني العظيمة والكتب الكثيرة والرسوم الغريبة؟ ما هذه الأفكار الّتي تمرّ كسرب الحمام؟ ما هذا الكلام المنظوم بالميل، المنثور باللذة، ما هذه النتائج المحزنة، المفرحة، المعانقة روحي، المساورة قلبي؟ ما هذه العيون المحدّقة بي، الناظرة أعماقي، المنصرفة عن آلامي؟ ما هذه الأصوات النائحة على أيامي، المترنّمة بصغري؟ ما هذا الشباب المتلاعب بميولي، المستهزئ بعواطفي، الناسي أعمال الأمس، الفارح بتفاهة الحال، المستنكف ببطء الغد؟ ما هذا العالم السائر بي إلى حيث لا أدري، الواقف معي موقف الهوان؟ ما هذه الأرض الفاغرة فاها لابتلاع الأجسام، المفرجة صدرها لسكنى المطامع، ما هذا الإنسان الراضي بمحبّة السعادة ودون صالحها الهاوية، الطالب قبلة الحياة والموت يصفعه. الشاري دقيقة اللذة بعام الندامة، المستسلم للكرى والأحلام تناديه، السائر مع سواقي الجهالة إلى خليج الظلمة؟ ما هذه الأشياء أيّتها الحكمة؟...
        فقالت: أنت تريد أيّها البشريّ أن ترى العالم بعين إله وتريد أن تفقه مكنونات العالم الآتي بفكرة بشريّة، وهذا منتهى الحماقة. اذهب إلى البرّيّة تجد النحلة حائمة حول الزهور والنسر ينقضّ على الفريسة. ادخل بيت جارك ترَ الطفل مدهوشًا بأشعّة النار والوالدة مشغولة بأعمال منزلها. كن أنت كالنحلة ولا تصرف أيّام الربيع ناظرًا أعمال النسر. كن كالطفل وافرح بأشعّة النار ودع والدتك وشأنها. كلّ ما تراه كان ويكون من أجلك. الكتب الكثيرة والرسوم الغريبة والأفكار الجميلة هي أشباح نفوس الّذين تقدّموك. الكلام الّذي تحوكه هو الواصل بينك وبين إخوانك البشر. النتائج المحزنة المفرحة هي البذور الّتي القاها الماضي في حقل النفس وسوف يستغلّها المستقيل... إنّ هذا الشابّ المتلاعب بميولك هو هو الفاتح باب قلبك لدخول النور. إنّ هذه الأرض الفاغرة فاها هي الّتي تخلّص نفسَكَ من عبوديّة جسدك. إنّ هذا الإنسان الّذي تراه جاهلاً وصغيرًا هو الذي جاء من لدن الله ليتعلّم الفرح بالحزن والمعرفة من الظلمة...

        ووضعت الحكمة يدها على جبهتي الملتهبة وقالت: سر إلى الأمام ولا تقف البتّة، فالأمام هو الكمال. سر ولا تخشَ أشواك السبيل، فهي لا تستبيح إلاّ الدماء الفاسدة.

رؤيا (18 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

متحف جبران خليل جبران في بشرّي

رؤيا
       هناك في الحقل على ضفّة جدول بلوريّ رأيت قفصًا حبكت ضلوعه يد ماهرة. وفي إحدى زوايا القفص عصفور ميت وفي زاوية أخرى جرن جفّ ماؤه وجرن نفذت بذوره.
        فوقفت وقد امتلكتني السكينة وأصغيت صاغرًا كأنّ في الطائر الميت وصوت الجدول عظمة تستنطق الضمير وتستفسر القلب.
        وتأمّلت فعلمت أنّ ذلك العصفور الحقير قد صارع الموت عطشًا وهو بجانب مجاري المياه، وغالبه جوعًا وهو في وسط الحقول الّتي هي مهد الحياة كغنيّ أُقفلت عليه أبواب خزائنه فمات جوعًا بين الذهب.
        وبعد هنيهة رأيت القفص قد انقلب فجأة وصار هيكل إنسان شفّافًا، وتحوّل الطائر الميت إلى قلب بشرّي فيه جرح عميق يقطر دمًا قرمزيًّا وقد حاكت جوانب الجرح شفتي امرأة حزينة.
        ثمّ سمعتُ صوتًا خارجًا من الجرح مع قطرات الدماء قائلاً: أنا هو القلب البشريّ أسير المادّة وقتيل شرائع الإنسان الترابيّ. في وسط حقل الجمال، على ضفّة ينابيع الحياة، أُسرت في قفص الشرائع التي سنّها الإنسان للشواعر. على مهد محاسن المخلوقات بين أيدي المحبّة متُّ مهملاً، لأنّ ثمار تلك المحاسن ونتاج هذه المحبّة قد حُرّما عليّ.
كلّ ما يشوقني صار بعرف الإنسان عارًا، وجميع ما أشتهيه أصبح في قضائه مذلّة.
أنا القلب البشريّ قد حُبست في ظلمة سنن الجامعة فضعفت، وقيّدت بسلاسل الأوهام فاحتضرت، وأُهملت في زوايا غيّ المدنيّة فقضيت ولسان الإنسانية منعقد وعيونها ناشفة وهي تبتسم.

        سمعت هذه الكلمات ورأيتها خارجة مع قطرات الدم من ذلك القلب الجريح، وبعد ذلك لم أعد أرى شيئًا ولم أسمع صوتًا فرجعت إلى حقيقتي.

رُحماك يا نفس رحمَاك (17 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

 
متحف جبران خليل جبران في بشرّي
رُحماك يا نفس رحمَاك
       حتّامَ تنوحين يا نفسي وأنت عالمة بضعفي؟ إلى متى تضجّين وليس لديّ سوى بشري أُصوّر به أحلامك؟
       انظري يا نفسي فقد أنفقت عمري مصغيًا لتعاليمك. تأمّلي يا معذّبتي فقد أتلفت جسمي متّبعًا خطواتك.
       كان قلبي مليكي فصار الآن عبدك، وكان صبري مؤنسي فغدا بك عذولي. كان الشباب نديمي فأصبح اليوم لائمي، وهذا كلّ ما أوتيته من الآلهة، فممّ تستزيدين وبِمَ تطمعين؟
       قد أنكرت ذاتي وتركت ملاذ حياتي وغادرت مجد عمري ولم يبقَ لي سواك، فاقضي عليّ بالعدل، فالعدل مجدك، أو استدعي الموت واعتقي من الأسر معنّاك.
       رحماك يا نفس! فقد حملتني من الحبّ ما لا أطيقه: أنت والحبّ قوّة متّحدة، وأنا المادّة ضعف متفرّق، وهل يطول عراك بين قويّ وضعيف؟
       رحماك يا نفس! فقد أريتني السعادة عن بعد شاسع: أنت والسعادة على جبل عالٍ، وأنا الشقاء في أعماق الوادي، وهل يتمّ لقاء بين علو ووطوءة؟
          رحماك يا نفس! فقد أبنت لي الجمال واخفيته: أنت والجمال في النور، وأنا والجهل في الظلمة، وهل يمتزج النور بالظلمة؟
       أنت يا نفس تفرحين بالآخرة قبل مجيء الآخرة، وهذا الجسد يشقى بالحياة وهو في الحياة.
       أنت تسيرين نحو الأبديّة مسرعة، وهذا يا نفس منتهَى التعاسة.
أنت ترتفعين نحو العلو بجاذب السماء، وهذا الجسد يسقط إلى تحت بجاذبيّة الأرض، فلا أنت تعزّينه ولا هو يهنّئك، وهذه هي البغضاء.
       أنت يا نفس غنيّة بحكمتك، وهذا الجسد فقير بسليقته، فلا أنت تتساهلين ولا هو يتبع، وهذا هو أقصى الشقاء.
       أنت تذهبين في سكينة الليل نحو الحبيب وتتمتّعين منه بضمّة وعناق، وهذا الجسد يبقى أبدًا قتيل الشوق والتفريق.

       رحماك يا نفس رحماك.

تحت الشمس (16- من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

متحف جبران خليل جبران في بشرّي

تحت الشمس
رأيت كل الأعمال التي عملت تحت الشمس فإذا الكل باطل وقبض الريح الجامعة

       يا روح سليمان السبّاحة في فضاء عالم الأرواح، يا من خلعت ثوب المادّة اّلذي نحن نرتديه الآن، لقد تركت وراءك هذا الكلام المنبثق من الضعف والقنوط فولد ضعفًا وقنوطًا في أسرى الأجسام.
       أنت تعلمين الآن أنّ في هذه الحياة معنى لا يخفيه الموت، ولكن أنّى للبشر تلك المعرفة الّتي لا تدرك إلاّ بعد انعتاق النفس من ربقة التراب؟
       أنت تعلمين الآن أن الحياة ليست كقبض الريح، وأنّ ليس تحت الشمس شيء باطل، بل كلّ شيء كان وسيبقى سائرًا نحو الحقيقة، ولكن نحن المساكين قد تشبّثنا بأقوالك وتدبّروناها وما برحنا نظنُّها حكمة باهرة، هي، وأنت تعلمين، ظلمة تضيع العاقلة وتخفي الأمل.
       أنت تعلمين الآن أنّ للحماقة والشرّ والظلم أسبابًا جميلة، ونحن لا نرى جمالاً إلاّ بظواهر الحكمة ونتاج الفضيلة وثمار العدل.
       أنت تعلمين أنّ الحزن والفقر يطهّران القلب البشريّ، وعاقلتنا القاصرة لا ترى شيئًا حريًّا بالوجود إلاّ اليسر والفرح.
       أنت تعلمين الآن أنّ النفس سائرة نحو النور قهرًا من عقبات العمر، ونحن ما برحنا نردّد كلامك الّذي يدلّ على أنّ الإنسان ليس إلاّ ألعوبة في يد القّوة غير المعروفة.
       أنت ندمت على بثّك روحًا يضعف محبّة للحياة الحاضرة ويميت الشغف بالحياة الآتية، ونحن لم نزل مصرّين على حفظ أقوالك.

       يا روح سليمان الساكنة في عالم الخلود، أوحي إليّ مُحبيّ الحكمة ألاّ يسلكوا سبل القنوط والجحود، فقد يكون ذلك كفّارة عن خطأ غير مقصود.

بين الكوخ والقصر (15 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

مدخل متحف جبران خليل جبران في بشرّي

بين الكوخ والقصر
       1-جاء المساء وشعشعت الأنوار الكهربائيّة في صرح الغنيّ فوقف الخدّام على الأبواب بملابس مخمليّة وعلى صدورهم الأزرار اللامعة ينتظرون مجيء المدعُوّين.
       صدحت الموسيقى بأنغامها المطربة وتقاطر الأشراف والشريفات تجرّهم الخيول المطهّمة نحو ذلك القصر فدخلوا يرفلون بالملابس المزركشة ويجرّون أذيال العزّة والفخر.
       قام الرجال ودعوا النساء للرقص فوقفن واخترن الأعزّاء وأصبحت تلك المقصودة روضة تمرّ بها نسيمات الموسيقى فتتمايل أزهارها تيهًا وإعجابًا.
       انتصف الليل فمدّت سفرة عليها كلّ ما عزّ من الفاكهة وطاب من الألوان، ودارت الكؤوس على الجميع فلعبت بنت الكرمة في عقولهم حتّى ألعبتهم.
       جاء الصباح وفرّق شمل أولئك الأشراف الأغنياء بعد أن أضناهم السهر وسرقت عاقلتهم الخمرة وأتعبهم الرقص وأذبلهم القصف وذهب كلّ إلى فراشه الناعم.
       2- بعد أن غابت الشمس وقف رجل يرتدي أثواب الشغل أمام باب كوخ حقير وقرع ففتح له ودخل وحيّا مبتسمًا ثمّ جلس بين صبية يصطلون بقرب النار. وبعد برهة هيّأت زوجته العشاء فجلسوا جميعًا حول مائدة خشبيّة يلتهمون الطعام، ثمّ قاموا وجلسوا بقرب مسرجة ترسل سهام أشعّتها الصفراء الضعيفة إلى كبد الظلمة.
       وبعد مرور الهزيع الأوّل من الليل قاموا بسكينة كليّة واستسلموا لملك الرقاد.
       جاء الفجر فهبّ ذلك الفقير من نومه وأكل مع صغاره وزوجته قليلاً من الخبز والحليب ثمّ قبّلهم وحمل على كتفه معولاً ضخمًا وذهب إلى الحقل ليسقيه من عرق جبينه ويستثمر ويطعم قواه أولئك الأغنياء الأقوياء الّذين صرفوا ليلة أمس بالقصف والخلاعة.
       طلعت الشمس من وراء الجبل وثقلت وطأة الحرّ على رأس ذلك الحارث وأولئك الأغنياء ما برحوا خاضعين لسنّة الكرى الثقيل في صروحهم الشاهقة.

       هذه مأساة الإنسان المستتبّة على مسرح الدهر وقد كثر المتفرّجون المستحسنون وقلّ من تأمّل وعقل.

بين الخرائب (14 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)


بين الخرائب
         وشّح القمر تلك الخمائل المحاطة بمدينة الشمس برقعًا لطيفًا، وظفر الهدوء بأعنّة الكائنات، وبانت تلك الخرائب الهائلة كأنّها جبّار يهزأ بعاديات اللّيالي.
        في تلك الساعة انبثق من لا شيء خيالان يشبهان أبخرة متصاعدة من بحيرة زرقاء وجلسا على عمود رخاميّ استأصله الدهر من ذلك البناء الغريب يتأمّلان بمحيطٍ يحاكي مسارح السحر. وبعد هنيهة رفع أحدهما رأسه، وبصوت يشبه الصدى الّذي تردّده خلايا الأودية البعيدة قال:
        هذه بقايا هياكل بنيتها من أجلك يا محبوبتي. وتلك رمم قصر رفعته لاستحسانك وقد دكّت ولم يبقَ منها سوى أثر يحدّث الأمم بمجد صرفت الحياة لتعميمه وعزٍّ استخدمت الضعفاء لتعظيمه. تأمّلي يا محبوبتي، فقد تغلّبت العناصر على مدينة شيّدنها، واستصغرت الأجيال حكمة رأيتها، وأضاع النسيان ملكًا رفعته ولم يبقَ لي سوى دقائق المحبّة التي أولدها جمالك ونتائج الجمال الذي أحياه حبّك.
        بنيت هيكلاً في أورشليم للعبادة فقدّسه الكهّان ثمّ سحقته الأيّام، وبنيتُ هيكلاً بين أضلعي للمحبّة فقدّسه الله ولن تقوى عليه القوّات.
        صرفت العمر مستفسرًا ظواهر الأشياء مستنطقًا أعمال المادّة فقال الإنسان: ما أحكمه ملكًا! وقالت الملائكة: ما أصغره حكيمًا! ثمّ رأيتك يا محبوبتي وغنّيت فيك نشيد حبّة وشوق ففرحت الملائكة،  أمّا الإنسان فلم ينتبه... كانت أيّام ملكي كالحواجز بين نفسي الظمآنة والروح الجميل المستقرّ في الكائنات، ولما رأيتك استيقظت المحبّة وهدمت تلك الحواجز فأسفت على عمر صرفته مستسلمًا لتيّارات القنوط حاسبًا كلّ شيء تحت الشمس باطلاً. حبكت الدروع وطرقت التروس فخافتني القبائل، ولما أنارتني المحبّة احتُقرت حتّى من شعبي، ولكن عندما جاء الموت أودع تلك الدروع والتروس التراب وحمل محبّتي إلى الله.
        وبُعيد سكينة قال الخيال الثاني: مثلما تكتسب الزهرة عطرها وحياتها من التراب كذلك تستخلص النفس من ضعف المادّة وخطئها قوّة وحكمة.

        عندئذٍ تمازج الخيالان وصارا خيالاً واحدًا. وبعد هنيهة أذاع الهواء هذه الكلمات في تلك الأنحاء: لا تحفظ الأبدية إلاّ المحبّة لأنّها مثلها...

الاثنين، 30 يناير 2017

بين الحقيقة والخيال (13- من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)


بين الحقيقة والخيال

       تَحْمِلُنا الحياة من مكان إلى مكان وتنتقل بنا التقادير من محيط إلى آخر ونحن لا نرى إلاّ ما وقف عثرة في سبيل سيرنا ولا نسمع سوى صوت يخيفنا.
يتجلّى لنا الجمال على كرسي مجده فنقترب منه وباسم الشوق ندنس أذياله ونخلع عنه تاج طهره. يمرّ بنا الحبّ مكتسيًا ثوب الوداعة فنخافه ونختبئ في مغاور الظلمة أو نتبعه ونفعل باسمه الشرور، والحكيم بيننا يحمله نيرًا ثقيلاً وهو ألطف من أنفاس الأزهار وأرقّ من نسيمات لبنان. تقف الحكمة في منعطفات الشوارع وتنادينا على رؤوس الأشهاد فنحسبها بُطلاً ونحتقر متبعيها. تدعونا الحريّة إلى مائدتها مسرحًا للابتذال ومجالاً لاحتقار الذات. تمدّ الطبيعة نحونا يد الولاء وتطلب منّا أن نتمتّع بجمالها فنخشى سكينتها ونلتجئ إلى المدينة، وهناك نتكاثر بعضنا على بعض كقطيع رأى ذئبًا خاطفًا. تزورنا الحقيقة منقادة بابتسامة طفل أو قبلة محبوبة فنوصد دونها أبواب عواطفنا ونغادرها كمجرم دنس. القلب البشريّ يستنجد بنا والنفس تنادينا ونحن أشدّ صممًا من الجماد لا نعي ولا نفهم، وإذا ما سمع أحد صراخ قلبه ونداء نفسه قلنا هذا ذو جنّة وتبرّأنا منه.

       هكذا تمرّ الليالي ونحن غافلون وتصافحنا الأيّام ونحن خائفون من الليالي والأيّام. نقترب من التراب والآلهة تنتمي إلينا ونمرّ على خبز الحياة والمجاعة تتغذّى من قوانا، فما أحبّ الحياة إلينا وما أبعدنا عن الحياة!

بَيتُ السَعَادة (12 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)



بَيتُ السَعَادة

       تعب قلبي في داخلي فودّعني وذهب إلى بيت السعادة، ولما بلغ ذلك الحرم الّذي قدّسته النفس وقف حائرًا، لأنّه لم يرَ هناك ما طالما توهمه. لم يرَ قوّةً، ولا مالاً، ولا سلطة. لم يرَ غير فتى الجمال ورفيقته ابنة المحبّة وطفلتهما الحكمة.
       وخاطب قلبي ابنة المحبّة قائلاً: أين القناعة أيّتها المحبّة، فقد سمعت أنّها تشاطركم سكنى هذا المكان؟ قالت: ذهبت القناعة تكرز في المدينة حيث المطامع، فنحن لا نحتاج إليها. السعادة لا تبتغي قناعة، إّنما السعادة شوق يعانقه الوصال، والقناعة سلوّ يساوره النسيان. النفس الخالدة لا تقنع، لأنها تروم الكمال، والكمال هو اللانهاية.
       وخاطب قلبي فتى الجمال قائلاً: أرني سرّ المرأة أيّها الجمال وأنرني لأنّك معرفة. فقال: هي أنت أيّها القلب البشريّ وكيفما كنت كانت. هي أنا وأينما حللت حلّت. هي كالدين إذا لم يحرّفه الجاهلون، وكالبدر إذا لم تحجبه الغيوم، وكالنسيم إذا لم تتعلّق بأذياله أنفاس الفساد.

       واقترب قلبي من الحكمة ابنة المحبّة والجمال وقال: اعطيني حكمةً أحملها إلى البشر. فأجابت: قل هي السعادة تبتدئ في قدس أقداس النفس ولا تأتي من الخارج.

أيّتها الريح! (11- من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)


أيتها الريح
      تمرّين آنًا مترنّحة فرحة، وآونة متأوّهة نادبة، فنسمعك ولا نشاهدك، ونشعر بك ولا نراك، فكأنّك بحر من الحبّ يغمر أرواحنا ولا يغرقها، ويتلاعب بأفئدتنا وهي ساكنة.
      تتصاعدين مع الروابي وتنخفضين مع الأودية وتنبسطين مع السهول والمروج. ففي تصاعدك عزم، وفي انخفاضك رقّة، وفي انبساطك رشاقة، فكأنّك مليك رؤوف يتساهل مع الضعفاء الساقطين ويترفّع مع الأقوياء المتشامخين.
      وفي الخريف تنوحين في الأودية فتبكي لنواحك الأشجار، وفي الشتاء تثورين بشدّة فتثور معك الطبيعة بأسرها، وفي الربيع تعتلّين وتضعفين ولضعفك تستفيق الحقول، وفي الصيف تتوارين وراء نقاب السكون فتخالك ميتًا قتلته سهام الشمس ثمّ كفَّنته بحرارتها.
      لكن، أنادبة كنت أيّام الخريف، أم ضاحكة من خجل الأشجار بعد أن عرّيتها من ملابسها؟ أغاضبة كنت أيّام الشتاء، أم راقصة حول قبور الليالي المكلّسة بالثلوج؟ أعليلة كنت أيّام الربيع، أم حبيبة أضناها البعاد فجاءت تصعد بالتنهّد أنفاسها على وجه حبيبها شابّ الفصول تنتبّه من رقاده؟ أميتة كنت أيّام الصيف، أم هاجعة في قلوب الأثماء وبين جفنات الكروم وعلى بيادر القش؟
      أنت تحملين من أزقّة المدينة أنفاس العلل ومن الروابي أرواح الأزهار.
      وهكذا تفعل النفوس الكبيرة التي تحتمل أوجاع الحياة بسكينة، وبسكينة تلتقي بأفراحها.
      أنت تهمسين في أُذن الوردة أسرارًا غريبة تفهم مفادها، فتضطرب تارة، وطورًا تبتسم. وهكذا تفعل الآلهة بأرواح البشر.
      أنت تبطئين هنا، وتتتسارعين هناك، وتتراكضين هنالك، ولكنّك لا تقفين أبدًا. وهكذا تفعل فكرة الإنسان الّتي تحيا بالحركة وتموت بالسبات.
أنت تكتبين على وجه البحيرة أشعارًا ثمّ تمحينها. وهكذا يفعل الشعراء المتردّدون.  
      من الجنوب تجيئين حارّة كالمحبّة، ومن الشمال تأتين باردة كالموت، ومن المشرق لطيفة كملامس الأرواح، ومن المغرب تتدفّقين شديدة كالبغضاء. أمتقلّبة أنت كالدهر؟ أم أنت رسول الجهات تبلغين إلينا ما تأتمنك عليه؟
      تمرّين غاضبة في الصحاري فتدوسين القوافل بقساوة ثمّ تلحدينها بلحف الرمال. فهل أنت أنت ذلك السيال الخفي، المتموّج مع أشعة الفجر بين أوراق الغصون، المنسل كالآحلام في منعطات الأودية حيث تتماثل الأزهار شغفًا بك وتتخاصر الأعشاب سكرًا من أنفاسك؟
      تثورين ظلمًا في البحار فتحرّكين ساكن أعماقها، حتّى إذا أزبدت حنقًا عليك فتحت فاها لجة ولقمتها من السفن والأرواح لقمًا مرّة. فهل أنت أنت ذلك المحبّ المتلاعب حنوّا بغدائر الأطفال المتراكضين حول المنازل.
      إلى أين تتسارعين بأرواحنا وتنهداتنا وأنفاسنا، إلى أين تحملين رسوم ابتساماتنا؟ وماذا تفعلين بشعلات قلوبنا المتطايرة؟ هل تذهبين بها إلى ما وراء الشفق، إلى ما وراء هذه الحياة؟ أم تجرينها فريسة إلى المغاور البعيدة والكهوف المخيفة وهناك تقذفينها يمينًا وشمالاً حتّى تضمحلّ وتختفي؟
      في سكينة الليل تبيح لك القلوب أسرارها، وعند الفجر تحملك العيون اهتزازات أجفانها. فهل أنت ذاكرة ما شعرت به القلوب وما رأته العيون؟
      بين جنحيك يستودع الفقير صدى انسحاقه، واليتيم حرقته، والحزينة تأوهاتها، وطيّ أثوابك يضع الغريب حنينه، والمتروك لهفته، والساقطة عويل نفسها. فهل أنت حافظة لهؤلاء الصغاء ودائعهم؟ أم أنت هذا النداء، وهذا العويل، وهذا الضجيج، وهذا البكاء؟ أم أنت كالأقوياء من البشر تمتدّ إليهم الأكفّ فلا يلتفتون، وتتصاعد نحوهم الأصوات فلا يسمعون؟

      أسامعةٌ أنت يا حياة للسامع؟

أنشودة الزهرة (10- من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)

لوحة لجبران خليل جبران

أنشودة الزهرة

        أنا كلمة تقولها الطبيعة ثم تستردّها وتخفيها طيّ قلبها ثمّ قولها. أنا نجم هبط من الخيمة الزرقاء على بساط أخضر.
      أنا ابنة العناصر اّلتي حبل بها الشتاء وتمخّض بها الربيع وربّاها الصيف ونوّمها الخريف.
      أنا هديّة المحبّين، أنا إكليل العرس، أنا آخر عطيّة من حيّ إلى ميت.
      عند الصباح أتعاون والنسيم على إعلان مجيء النور، وفي المساء أشترك مع الطيور بوداعه.
      أتمايل في السهول فأزيّنها، وأتنفّس في الهواء فأعطّره. أضمّ الكرى فترمقني عيون الليل العديدة، وأطلب اليقظة أحدّق بعين النهار الوحيدة.

      أنا أشرب خمرة الندى وأسمع أغاني الشحارير وأرقص على تصفيق الأعشاب. أنا أنظر إلى العلو دائمًا كي أرى النور ولا أرى خيالي، وهذه حكمة لم يتعلّمها الإنسان بعد.

أمام عرش الجمال (9 - من كتاب دمعة وابتسامة لجبران خليل جبران)


أمام عرش الجمال
      
       هربت من الاجتماع وهمت في ذاك الوادي الواسع متّبعًا مجاري الجدول تارة ومصغيًا إلى محاورات العصافير طورًا حتّى بلغت مكانًا حمته الأغصان من نظرات الشمس، فجلست أسامر وحدتي وأناجي نفسي. نفس ظامئة رأت كلّ ما يُرى سرابًا وكلّ ما لا يُرى شرابًا.
       ولما انطلقت عاقلتي من محبس المادّة إلى فضاء الخيال التفتّ فإذا بفتاة واقفة على مقربة منّي. حوريّة لم تتخذ من الحليّ والحلل سوى غصن من الكرمة تستر به بعض قامتها وإكليل من الشقيق يجمع شعرها الذهبيّ... وإذ علمت من نظراتي أنّني صرت مسلوب الفجأة والحيرة قالت: أنا ابنة الأحراج فلا تجزع.
       قلت وقد ردّت حلاوة صوتها بعض رمقي: وهل يقطن من كان مثلك بريّة سكنتها الوحشة والوحوش؟ قولي لي بعيشك من أنتِ ومن أين أتيت؟ فقالت وقد جلست على الأعشاب: أنا رمز الطبيعة. أنا العذراء الّتي عبدها آباؤك فبنوا لها مذابح وهياكل في بعلبكّ وأفقا وجبيل. قلت: تلك الهياكل قد انهدمت وعظام أجدادي ساوت أديم الأرض ولم يبقَ من آثار آلهتهم وأديانهم سوى صفحات قليلة في بطون الكتب. قالت: بعض الآلهة يحيون بحياة عبادهم ويموتون بموتهم. وبعضهم يحيون بأُلوهيّة أزليّة أبديّة. أما أُلوهيّتي فهي مستمدّة من جمال تراه كيفما حوّلت عينيك. جمال هو الطبيعة بأسرها. جمال كان بدء سعادة الراعي بين الرُّبى، والقرويّ بين الحقول، والعشائر الرّحَّل بين الجبل والساحل. جمال كان للحكيم مرقاةً إلى عرش حقيقة لا تجرح. قلت ودقّات قلبي تقول ما لا يعرفه اللسان: إنّ الجمال قوّة مخيفة رهيبة. فقالت وعلى شفتيها ابتسامة الأزهار وفي نظرها أسرار الحياة: أنتم البشر تخافون كلّ شيء حتّى ذواتكم. تخافون السماء وهي منبع الأمن. تخافون الطبيعة وهي مرقد الراحة، وتخافون إله الآلهة وتعزون إليه الحقد والغضب وهو إن لم يكن محبّة ورحمة لم يكن شيئًا.
       وبعد سكينة مازجتها الأحلام اللطيفة سألتها: ما هذا لجمال؟ فقد تباين الناس بتعريفه ومعرفته مثلما اختلفوا بتمجيده ومحبّته. قالت: هو ما كان بنفسك جاذب إليه، هو ما تراه وتودّ أن تعطي لا أن تأخذ، هو ما شعرت عند ملقاه بأيدٍ ممدودة من أعماق لضمّه إلى أعماقك، هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة، هو أُلفة بين الحزن والفرح، هو ما تراه محجوبًا وتعرفه مجهولاً وتسمعه صامتًا، هو قوّة تبتدئ هي قدس أقداس ذاتك وتنتهي في ما وراء تخيّلات...

       واقتربت ابنة الأحراج منّي ووضعت يدها المعطّرة على عينيّ، ولمّا رفعتها رأيتني وحيدًا في ذلك الوادي، فرجعت ونفسي مردّدة: إنّ الجمال هو ما تراه وتوّد أن تعطي لا أن تأخذ.