لماذا هذه المدوّنة؟

إطلاق المدوّنة: 27 تشرين الثاني 2014.
****************
للتذكير: سبق وأنشأنا مدوّنة هذا عنوانها http://arabicsagesse.blogspot.com/

رابط أغنية إنت المعنى (كلمات ماري القصّيفي - لحن روجيه صليبا)

رابط أغنية يا عواميد الحكمة السبعة (كلمات ماري القصّيفي - لحن إيلي الفغالي)

رابط أغنية فوق التلّة الما بتنام (كلمات ماري القصّيفي - اللحن والأداء لنادر خوري)

رابط أغنية يا حكمتنا (كلمات زكي ناصيف - لحن نديم محسن)

رابط أغنية يا عصافير النار (2019 - الصفّ الأساسيّ الثاني C)

رابط أغنية قصّة شادي وكتابو (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس A)

رابط أغنية نسّم علينا الهوا (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس B)

رابط أغنية نقّيلي أحلى زهرة (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس C)

رابط أغنية طيري يا طيارة طيري (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس D)

رابط أغنية أهلا بهالطلّة (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابعِ A)

رابط أغنية شدّوا بالصنّارة (2019- الصفّ الأساسيّ الرابع B)

رابط أغنية طلّوا حبابنا (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابع C)

‏إظهار الرسائل ذات التسميات استقلال لبنان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات استقلال لبنان. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2018

خطاب قسم الرئيس ميشال عون - الرئيس الثالث عشر بعد الاستقلال



دولة رئيس مجلس النوّاب،
دولة رئيس مجلس الوزراء،
حضرات النوّاب والوزراء،
حضرة رؤساء وأعضاء السلك الدبلوماسيّ،
أيّتها اللبنانيّات
 
أيّها اللبنانيّون
        كنت قد آليت على نفسي أن أكتفي بالقسم إذا ما انتخبت رئيسًا للجمهوريّة، لا سيّما أنّ يمين الإخلاص للأمّة التي أورد الدستور نصّها الحرفيّ، إنّما هي التزام وجوبيّ على رئيس الجمهوريّة من دون سواه من رؤساء السلطات الدستوريّة في الدولة، وفيها كلّ المعاني والدلالات والالتزامات.
       
إلّا أنّ الخلل السياسيّ المتمادي، والشغور المديد في سدّة الرئاسة، حملاني على أن أتوجّه من خلالكم، وبالمباشر إلى الشعب اللبنانيّ العظيم الذي كان دومًا على الموعد معي، والحصن المنيع الذي ألجأ اليه في التعهدات الكبرى والخيارات المصيريّة.

       
إنّ من يخاطبكم اليوم، هو رئيس الجمهوريّة الذي أوليتموه، مجلسًا وشعبًا، ثقتكم لتحمّل مسؤوليّة الموقع الأوّل في الدولة، الآتي من مسيرة نضاليّة طويلة لم تخلُ يومًا من المسؤوليّات الوطنيّة، سواء في المؤسّسة العسكريّة التي نشأ في كنفها وتبوّأ قيادتها، أو في ممارسة السلطة العامة بالتكليف الدستوريّ، أو في الشأن العام بالتكليف الشعبيّ. رئيسٌ أتى في زمن عسير، ويؤمل منه الكثير في تخطّي الصعاب وليس مجرد التآلف والتأقلم معها، وفي تأمين استقرار يتوق إليه اللبنانيّون كي لا تبقى أقصى أحلامهم حقيبة السفر.
       
إنّ أوّل خطوة نحو الاستقرار المنشود هي في الاستقرار السياسيّ، وذلك لا يمكن أن يتأمّن إلّا باحترام  الميثاق والدستور والقوانين من خلال الشراكة الوطنيّة التي هي جوهر نظامنا وفرادة كياننا. وفي هذا السياق تأتي ضرورة تنفيذ وثيقة الوفاق الوطنيّ، بكاملها من دون انتقائيّة أو استنسابيّة، وتطويرها وفقًا للحاجة من خلال توافق وطنيّ. ذلك أنّها، في جزء منها، دستور، وفي جزء آخر، تعهّدات وطنيّة ملزمة، ولا يمكن بالتالي أن يصار إلى تطبيقها بصورة مجتزأة، فينال منها الشحوب والوهن، ولا يستوي في ظلّها نظام أو حكم، ولا تنهض عنها شرعيّة لأيّ سلطة.
        فرادةُ لبنان هي بمجتمعه التعدّدي المتوازن، وهذه الفرادة تقضي بأن نعيش روح الدستور، من خلال المناصفة الفعليّة، وأولى موجباتها إقرار قانون انتخابيّ يؤمّن عدالة التمثيل، قبل موعد الانتخابات القادمة.
         أمّا في الاستقرار الأمنيّ، فإنّ أوّل مقوّماته الوحدة الوطنيّة، وكلّنا يعي التحديات التي تواجهنا بصورة داهمة، وضرورة التصدّي لها بلا هوادة، بوحدتنا وانفتاحنا على بعضنا البعض وقبول كلّ منّا رأي الآخر ومعتقده. هكذا نحافظ على روافد قوّتنا، ونسدّ الثغرات التي قد تنفذ منها سموم الفتنة والتشرذم والتشنّج والفوضى.
       
إنّ لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة. ويبقى في طليعة أولويّاتنا منع انتقال أيّ شرارة اليه. من هنا ضرورة ابتعاده عن الصراعات الخارجيّة، ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربيّة وبشكل خاصّ المادّة الثامنة منه، مع اعتماد سياسة خارجيّة مستقلّة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدوليّ، حفاظًا على الوطن واحة سلام واستقرار وتلاقٍ.
        أمّا في الصراع مع اسرائيل، فإنّنا لن نألو جهدًا ولن نوفّر مقاومةً، في سبيل تحرير ما تبقّى من أراضٍ لبنانيّة محتلّة، وحماية وطننا من عدوٍّ لمّا يزل يطمع بأرضنا ومياهنا وثرواتنا الطبيعيّة.
       
وسننتعامل مع الإرهاب استباقيًّا وردعيًّا وتصديًّا، حتّى القضاء عليه، كما علينا معالجة مسألة النزوح السوريّ عبر تأمين العودة السريعة، ساعين أن لا تتحوّل مخيّمات وتجمّعات النزوح إلى محميّات أمنيّة. كلّ ذلك بالتعاون مع الدول والسلطات المعنيّة، وبالتنسيق المسؤول مع منظّمة الأمم المتحدة التي ساهم لبنان في تأسيسها، ويلتزم مواثيقها في مقدّمة دستوره. مؤكّدين أنّه لا يمكن أن يقوم حلّ في سوريا لا يضمن ولا يبدأ بعودة النازحين. أمّا فيما يتعلّق بالفلسطينيّين فنجهد دومًا لتثبيت حقّ العودة ولتنفيذه.
        إنّ بلوغ الاستقرار الأمني لا يتم الا بتنسيق كامل بين المؤسسات الأمنية والقضاء، فالأمن والقضاء مرتبطان بمهمات متكاملة، ومن واجب الحكم تحريرهما من التبعية السياسية، كما عليه ضبط تجاوزاتهما فيطمئن المواطن الى الإداء، وتستعيد الدولة وقارها وهيبتها.
        أما مشروع تعزيز الجيش وتطوير قدراته، فهذا سيكون هاجسي وأولويتي، ليصبح جيشنا قادراً على ردع كل أنواع الاعتداءات على وطننا، وليكون حارساً أرضه وحامياً استقلاله وحافظاً سيادته.
        يبقى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ذلك أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية والانمائية والصحية والبيئية والتربوية تمر بأزمات متلاحقة، لا بل متواصلة، لأسباب عدة خارجية وداخلية. واذا كانت الأسباب الخارجية عاصيةً علينا ولا نستطيع سوى الحدّ من أثارها، فإن الداخلية منها تفرض علينا نهجاً تغييرياً لمعالجتها، يبدأ بإصلاحٍ اقتصادي يقوم على التخطيط والتنسيق بين الوزارات، والتأليل في مختلف ادارات الدولة. إذ لا يمكن أن نستمر من دون خطة اقتصادية شاملة مبنية على خطط قطاعية؛ فالدولة من دون تخطيط لا يستقيم بناؤها، والدولة من دون مجتمع مدني لا يمكن بناؤها.
       
إن استثمار الموارد الطبيعية في مشاريعَ منتجة يؤسس لتكبير حجم اقتصاد حر قائم على المبادرة الفردية وعلى إشراك القطاع الخاص مع القطاع العام، وذلك من ضمن رؤية مالية هادفة ومتطورة.
 
كما أن الاستثمار في الموارد البشرية، وبشكل خاص في قطاع التربية والتعليم والمعرفة، يسهم في بناء أجيال يعول عليها لضمانة مستقبل لبنان الذي نطمح جميعاً اليه. حيث أن غنى لبنان الأساسي هو في إنسانه المنتشر في كل بقاع العالم، هذا الإنسان الذي ندين له باستمرارية رسالة لبنان ونشرها، كما في إنسانه المقيم الذي من حقه أن يعيش في بيئة سياسية سليمة وفي بيئة طبيعية نظيفة.
       
أما اللامركزية الادارية، بما تجمع من مرونة ودينامية في تأمين حاجات الناس وخدماتهم، مع حفاظها على الخصوصية ضمن صيغة العيش الواحد، فيجب ان تكون محوراً اساسياً، ليس فقط تطبيقاً لوثيقة الوفاق الوطني أو انسجاماً مع طبيعة لبنان، بل أيضاً تماشياً مع تطور نظم الحكم في العالم.
إن هذا الإصلاح الاجتماعي - الاقتصادي، لا يمكن له أن ينجح إلا بإرساء نظام الشفافية عبر إقرار منظومة القوانين التي تساعد على الوقاية من الفساد وتعيين هيئة لمكافحته، وتفعيل أجهزة الرقابة وتمكينها من القيام بكامل أدوارها.
       
ويبقى الأهم اطمئنان اللبنانيين الى بعضهم البعض والى دولتهم بأن تكون الحامية لهم والمؤمّنة لحقوقهم وحاجاتهم، وأن يكون رئيس الجمهورية هو ضامن الأمان والإطمئنان.
         
هذه هي العناوين الكبرى لعهد رئاسي أرغب صادقًا بأن يكون عهدًا تتحقّق فيه نقلة نوعية في إرساء الشراكة الوطنية الفعلية في مختلف مواقع الدولة والسلطات الدستورية، وفي إطلاق نهضة اقتصادية تغيّر اتجاه المسار الانحداري، وفي السهر على سلامة القضاء والعدالة، ما من شأنه أن يمهّد السبيل إلى قيام دولة المواطنة، بعد أن يكون كل مكوّن قد اطمأن إلى يومه وغده ومصيره في لبنان.
       
ربّ قائلٍ إننا قد تأخرنا في إنجاز ما حلمنا به وناضلنا من أجله وتشرّد لنا أعزاء في أصقاع الأرض وسقط لنا أحباء، شهداء وجرحى وأسرى ومفقودين، في سبيله. ولكن، كلي ثقة بأن اللبنانيين جميعاً، رغم إدراكهم أن الطريق شاق وطويل، لديهم العزم والإرادة والإقدام لنحقق معاً ما نذرنا له الحياة، وهو لبنان القوي الموحّد لكل أبنائه، لبنان الحرية والكرامة، لبنان السيادة والاستقلال، لبنان الاستقرار والازدهار، لبنان الميثاق والرسالة.

خطاب قسم الرئيس ميشال سليمان - الرئيس الثاني عشر بعد الاستقلال


(1310 كلمات)
        دولة الرئيس، حضرة النوّاب
        كان أحبّ إلى قلبنا أن نبدأ هذا الاستحقاق، بدقائق فرح، لكنّي واثق بأنّ صمتنا ستهلّل له أرواح شهدائنا وهم في جوار ربّهم، كونه يؤسّس لمرحلة واعدة لأبناء الوطن الذي ينهض من كبوة له بفعل وعي المواطنين، ورفضهم الوقوع في عملية قتل الذات، وعمل المخلصين والأشقاء، للتخفيف من السيئات، ومحو التداعيات. 
        إنّني اليوم، وفي أدائي اليمين الدستوريّة، إنّما أدعوكم جميعًا قوى سياسية، ومواطنين، لنبدأ مرحلة جديدة عنوانها لبنان واللبنانيّون، نلتزم فيها مشروعًا وطنيًّا نلتقي عليه، بذهنيّة متقدّمة، لنصل إلى ما يخدم الوطن ومصلحته كأولويّة على مصالحنا الفئويّة والطائفيّة، ومصالح الآخرين
        إنّ الاستقرار السياسيّ المنشود، يفرض علينا تفعيل المؤسّسات الدستوريّة، حيث وجب احتضان الأفكار السياسيّة وتبايناتها، وصولاً إلى قواسم مشتركة، تؤمّن مصلحة الوطن وأبنائه.
        إنّ الخلاف السياسيّ، وما نتج منه من إشكاليّات دستوريّة مررنا بها، ينبغي أن يشكل حافزًا لنا، ليس فقط لإيجاد المخارج، لما يمكن أن نقع فيه مستقبلًا، وإنّما أيضاً لتحقيق التوازن المطلوب، في ما بين الصلاحيّات، والمسؤوليّات، يمكّن المؤسّسات، بما فيها رئاسة الجمهوريّة من تأدية الدور المنوط بها.
        إنّ لبنان، وطن الرسالة، والذي يحمل تلاقي الحضارات، وتعدّديّة فذّة، يدفعنا للانطلاق معًا، في ورشة عمل، فنصلح أوضاعنا السياسيّة والإداريّة، والاقتصاديّة والأمنيّة، فنعيد الوطن، إلى الخارطة الدوليّة، في دور نموذجيّ يعكس فرادته، وإشراقته المعهودة.
        لقد اختار لبنان السير في ما اتُّفق عليه في الطائف، وهو مدعو إلى حماية هذا الخيار، والعمل على ترسيخه. لأنّه ينبع من الإرادة الوطنيّة الجامعة، فتحصين أيّ قرار سياسيّ، لا يتمّ إلّا بهذه الإرادة. إضافة إلى أنّ ما يربط اللبنانيّين، من ميثاق وطنيّ، نتيجة إرادتهم، وهو صنو الدستور. وقد برهن أنّه الأقوى والأسمى من أيّ توجه خارجيّ. 
        إنّ علاقاتنا الخارجيّة تبقى الأصلح والأفعل، بمقدار ما تنطلق من هذا الميثاق، فتؤمن وتحمي، مصالح لبنان وتحترم خصوصيّته وتتيح له استعادة دوره الفاعل، في محيطه العربيّ، والمجتمع الدوليّ، كونه المثال الحيّ لتعايش الثقافات.
        أيّها السادة النوّاب،
        إنّ الشعب أولانا ثقته لتحقيق طموحاته، وليس لإرباكه بخلافاتنا السياسيّة الضيقة. ولعلّ أخطر ما برز في السنوات الأخيرة، خطاب سياسيّ يرتكز على لغة التخوين، والاتّهامات المتبادلة، مما يمهّد لحالة التباعد والفرقة، خصوصًا بين الشباب، لذا وجب الإدراك والعمل على تحصين الوطن، والعيش الواحد عبر التلاقي، ضمن ثقافة الحوار، وليس بجعله ساحة للصراعات.
        إنّ سمة الديمقراطيّة الأساسيّة تداول السلطة، عبر انتخابات حرّة. وإذا كان من الأهميّة بمكان، اعتماد قانون انتخابيّ، يؤمّن صحّة التمثيل، ويرسّخ العلاقة بين الناخب وممثّله ويكفل إيصال خيارات الشعب وتطلّعاته. فالأهمّ قبولنا بنتائج هذه الانتخابات، واحترامنا للإرادة الشعبيّة.
        كما أنّ استقلال السلطة القضائيّة، يكرّس العدالة، وهي مناخ يشكّل ملاذًا لكلّ صاحب حقّ، ويوفّر انتظامًا عامًّا لجميع مرافق الدولة، وليس فقط للفصل بين المتقاضين، فالأيادي البيضاء، سمة العدل، والعدل أساس الملك.

        وإنّ المسؤوليّة تحتّم علينا، تشجيع الطاقات الشابّة، للانخراط في مؤسّسات القطاع العامّ، فنمنع ترهّله، ويتيح لنا الوصول إلى إدارة أكثر كفاءةً وشبابًا. مع اعتمادنا على حسن الاختيار، وتعزيز لهيئات الرقابة، فيُكافأ المستحق، ويُصوّب المقصّر، ويُعزل الفاسد.
        أيّها السادة، إنّ تبديد هواجس الشابّات والشبّان، يكون ببناء وطن يفتخرون بالانتماء إليه، لينهض بقدراتهم، وخبراتهم، ومشاركتهم في إيجاد الحلول. ولندعهم هم، الذين قاوموا الاحتلال والإرهاب، وانتفضوا من أجل الاستقلال، يرشدونا حيث أخفقنا، فهُم المستقبل، ولهم الغد, وهم من أثخنتهم الجراح فصقلتهم، وكان منهم قرابين معوّقون، ينبغي تأمين حقوقهم ورعايتهم وفقًا للقوانين.
        هذا من دون أن يغيب عن اهتمامنا، سياسة تربويّة إصلاحيّة، تتناول مدارسنا والجامعات، وتعيد إليها تميّزها في هذه المنطقة.
        إنّ جناح لبنان الثاني، يلتفت إلينا اليوم، يحدوه الأمل في أن يرى وطنه الأمّ، وقد تعملق من جديد، من هنا، علينا الاعتراف بحقوق المغتربين، والمضي قُدمًا في الإجراءات الآيلة إلى تعزيز التصاقهم، وتداخلهم بالوطن، والاستعانة بقدراتهم وتوظيفها، حتى لا يبقوا في غربة عن الوطن. إنّهم الأحقّ بالجنسيّة اللبنانيّة من الذين حصلوا عليها من دون وجه حق.
        إنّ الخروج من حالة الركود، وتفعيل الدورة الاقتصاديّة، بحاجة إلى استقرار أمنيّ وسياسيّ وإلى رعاية الدولة، تشجيعًا ودفعًا لعملية الإنتاج التنافسيّ. فجذب الاستثمارات، وتأمين بيئة صديقة لها، يؤدّي إلى محاربة البطالة، ومحاصرة الهجرة.
        هذا الأمر يقودنا إلى حتميّة الاهتمام باقتصادنا المنتج صناعيًّا وزراعيًّا وخدماتيًّا. كما تعميم الثقافة البيئيّة، وإبراز الأوجه السياحيّة لهذا البلد.
        إنّ الإنماء المتوازن، ركن أساسيّ من أركان وحدة الدولة، واستقرار النظام، ونرى في تطبيق اللامركزيّة الإدارية الموسّعة، عنصرًا مهمًّا لهذا الإنماء، لرفع الغبن عنه، وإصلاح التفاوت الاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ بين المناطق. ولا بدّ لنا من إيلاء موضوع استكمال عودة المهجرين كلّ اهتمام لطي هذا الملف بصورة نهائيّة.
        أيّها السادة،
        إنّ التزامنا مواثيق الأمم المتحدة، واحترامنا لقراراتها، يعود لقناعتنا الراسخة بالشرعيّة الدوليّة المستمدّة من مبادئ الحقّ والعدالة، وإذ نؤكّد مساهمتنا في قيام المحكمة الدوليّة الخاصّة، بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وما تلا من اغتيالات، فذلك تبيان للحق، وإحقاق للعدالة.
        إنّ نشوء المقاومة، كان حاجة في ظلّ تفكّك الدولة، واستمرارها كان في التفاف الشعب حولها، وفي احتضان الدولة كيانًا وجيشًا لها، ونجاحها في إخراج المحتلّ، يعود إلى بسالة رجالها، وعظمة شهدائها، إلّا أنّ بقاء مزارع شبعا تحت الاحتلال، ومواصلة العدو الاسرائيليّ لتهديداته وخروقاته للسيادة، يحتّم علينا استراتيجيّة دفاعيّة تحمي الوطن، متلازمة مع حوار هادئ، للاستفادة من طاقات المقاومة، خدمة لهذه الإستراتيجيّة. فلا تُستهلك إنجازاتها في صراعات داخليّة، ونحفظ بالتالي قيمها وموقعها الوطنيّ. يتزامن هذا اليوم، مع الذكرى الوطنيّة، للتحرير والنصر، فلتكن حافزًا لنا، لمزيد من الوعي لما يتربص بنا، ولتجديد تمسّكنا بالحريّة والديمقراطيّة، التي ضحّينا من أجلهما لنصون الوطن.

        وفي هذا السياق، يأتي العمل الدؤوب، لإطلاق الأسرى والمعتقلين، وكشف مصير المفقودين، واستعادة أبنائنا الذين لجأوا إلى إسرائيل، فحضن الوطن، يتّسع للجميع .
        لقد حرص لبنان، ويحرص دائمًا، على تقوية الأواصر التي تربطه بأشقائه العرب، من هنا، فإنّنا ننظر بشدّة، إلى أخوّة في العلاقات بين لبنان وسوريا، ضمن الاحترام المتبادل، لسيادة وحدود كلّ بلد، وعلاقات دبلوماسيّة تعود بالخير لكلّ منهما.
        العبرة هي في حسن المتابعة لعلاقات مميّزة نِديّة، خالية من أيّ شوائب اعترتها سابقًا، بحيث نعمل على الاستفادة من تجارب الماضي، وتداركها، تأمينًا لمصالح ورخاء وأمن البلدين الشقيقين.
        أيّها اللبنانيّات واللبنانيّون،
        إنّ الدولة لا يمكنها التغاضي عن أيّ عبث بالأمن والسلم، ولن تسمح بأيّ حال من الأحوال، أن يُستعمل البعض وقودًا للإرهاب، وأن يُتّخذ من قدسيّة القضيّة الفلسطينيّة، ذريعة للتسلّح، لتصبح هذه المسألة مصدرًا للإخلال بالأمن، كما حصل منذ عام، عندما اعتدي على الجيش اللبناني. فلنتضافر، لمعالجة تداعيات ما حصل، فنعيد وصل ما انقطع، لبلسمة الجراح وإعادة الأعمار، لقد اعتصرنا الألم فلنعقد الأمل. إنّ البندقيّة تكون فقط، باتّجاه العدو، ولن نسمح بأن يكون لها وجهة أخرى. إنّ رفضنا القاطع للتوطين، لا يعني رفضًا لاستضافة الأخوة الفلسطينيّين، والاهتمام بحقوقهم الإنسانيّة، بل تأسيسًا لحقّ العودة حتّى قيام الدولة القابلة للحياة. ولهذا، فإنّ لبنان، يشدّد على ما ورد في المبادرة العربيّة، التي انطلقت من عاصمته بيروت عام ألفين واثنين 2002.

        لقد كسبت القوى المسلّحة، وفي طليعتها الجيش، ثقة الشعب اللبنانيّ طيلة السنوات الأخيرة، لتحقيقها إنجازات مهمّة وتاريخيّة، من الحفاظ على الديمقراطيّة والسلم الأهليّ، وانتشارها في الجنوب العزيز، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، والتصدّي للعدو والإرهاب، وقد دفعت غاليًا خيرة أبنائها.
        إلّا أنّ الأحداث الأمنيّة الأخيرة خلّفت شعورًا بأنّ القوى المسلّحة لم تقم بالأداء الكامل المأمول منها، لذلك فالحفاظ على الحدّ الأدنى من الوفاق، وبالتالي توفير الغطاء السياسيّ المطلوب يساهمان في تدارك الأمر مستقبلًا. بالإضافة إلى تعزيز موقعها المعنويّ على المستوى الوطنيّ، وتجهيزها، وتشجيع الشباب المثقّف الواعد للانضواء تحت راياتها.
        أيّها السادة،
        في هذه المناسبة، أتوجّه بالشكر، إلى جامعة الدول العربيّة، ومعالي أمينها العام، لاحتضانها الأزمة التي عصفت بالوطن، ولجهودها المثمرة، في بلورة الحلّ المناسب. وأتقدّم، باسم اللبنانيّين، وباسمي، بالعرفان لدولة قطر، وسموّ أميرها، ودولة رئيس وزرائها، واللجنة الوزاريّة العربيّة، لما بذلوه من جهد صادق، والتزام قوميّ في إطلاق الحوار الوطنيّ، واستضافتها له وإنجاحه وتتويجه باتّفاق الدوحة.
        الشكر أيضًا للدول الشقيقة والصديقة، التي ساعدت الوطن، على تجاوز المحن، وتلك التي تشارك في عداد القوّات الدوليّة، المنتشرة في الجنوب، تطبيقًا للقرار، ألفٍ وسبعمئةٍ وواحد، 1701، على أدائها المميّز، والمتكامل مع الجيش اللبنانيّ لحفظ الأمن، وحريّ بنا أن نسجّل اهتمامها بالنواحي الإنمائيّة والاجتماعيّة، في المناطق التي تنتشر فيها، والصدى الطيّب الذي تلقاه لدى المواطنين.
        أيّها اللبنانيّات واللبنانيّون،

        ينتظرنا الكثير الكثير، فقسمي هذا التزام عليّ، كما إرادتكم هي التزام أيضًا، لا نغرق في الوعود، بل نقارب الواقع وميادينه المختلفة بإمكاناتنا، واستثمار دعم الأشقاء والأصدقاء لنجتاز الصعاب، فلنتّحد ونتضامن ونسر معًا نحو مصالحة راسخة، لزرع الأمل لدى أبنائنا، ونطلق مبادرات رائدة، إبداعيّة شجاعة، لتحقيق ذلك، ونعمل لبناء الدولة المدنيّة، القادرة، المرتكزة على احترام الحريّات العامّة، والمعتقد، والتعبير. لقد دفعنا غاليًا ثمن وحدتنا الوطنيّة، فلنحافظ عليها معًا، يدًا بيد، فالله مع الجماعة. عشتم وعاش لبنان.

السبت، 3 نوفمبر 2018

خطاب قسم الرئيس إميل لحود - الرئيس الحادي عشر بعد الاستقلال


(1225 كلمة)
السيّد رئيس مجلس النوّاب،
حضرات السادة النوّاب، 
يوم أولاني هذا المجلس الكريم ثقته الغالية بانتخابي رئيسًا للجمهوريّة وفي خضم ردّات الفعل المفعمة بالآمال والمؤيّدة لهذه الثقة، اختلطت لديّ مشاعر الامتنان بحسابات المسؤوليّة، ووجدت أنّني في بداية الطريق مطالب بالكثير، نعم مطالب بالكثير فحاولت استبعاد موجات القلق التي لم تهدأ إلّا حين قلت لنفسي هذا موقع تستطيع فيه على الأقلّ أن تفعل شيئًا لوطنك فاتّكل على الله واتّكلت.
أيّها السادة،
 في وقفة كهذه تجهز كلّ القضايا والمشكلات دفعة واحدة حتّى لتكاد تضيع الأولويّات ويحتار المرء من أين يبدأ وقد اخترت المصارحة بالأهم الذي هو أساس وجودنا حيث نحن في الدولة، كسلطات ومسؤولين، عنيت به احترام القانون وتطبيقه. نعم، احترام القانون وتطبيقه.
أيّها السادة،
        نحن في بلد الجميع فيه، حكّامًا ومحكومين، كلّهم يشكون وكلّهم يشكّكون ذلك أنّ لغة القانون غائبة حينًا ومغيّبة أحيانًا، من هذه اللغة أبدأ وإليها أنتهي.
أبدأ من القسم الذي أدّيته أمامكم منذ لحظات وتعهدّت فيه باحترام دستور الدولة والقوانين، وأجد أنّ رئيس الدولة هو الوحيد الذي يؤدّيه من بين السلطات فأتساءل لماذا، واجيب لأنّ المشترع أراد أن يكون رأس الدولة تحت القانون فلا يعود لأحد غيره أن يكون فوق القانون وسأكون تحت القانون.
أيّها السادة،
        إنّنا كسلطات ومسؤولين موجودون حيث نحن باسم القانون فلا يجوز أن يغفل عنّا في أيّ وقت وظرف وخصوصًا في قمّة الشعور بعنفوان السلطة أنّنا إنّما نمارس ونطاع بقوّة القانون وليس بقوّتنا، نعم بقوّة القانون وليس بقوّتنا.
أيّها السادة،
        لا مستقبل لأحد في هذا البلد، حاكمًا كان أم محكومًا إلّا بقيام دولة القانون والمؤسّسات في ظلّ النظام الديموقراطيّ، البرلمانيّ. وكما تعلمون فإنّ الناس يريدون التغيير، ولديهم أسباب معروفة ومحقّة، وبقدر ما هو مستحيل أن يتمّ ذلك دفعة واحدة، بقدر ما هو غير جائز ألّا تكون هنالك بداية، فماذا يريد النــــاس؟ الناس يريدون منّا نحن الحكّام والمسؤولين أن نحترم تمثيلهم في كلّ مـــا نقول، وقولنــا مسؤول، وأن نجسّد ذلك في كلّ ما نفعل وفعلُنا مسؤوليّة.
        وهم يريدون، وعن حق، قضاء مُنَزَّهًا ومستقلًّا عن كلّ أنواع التدخّلات والتأثيرات في أشخاصه وأحكامه، قضاء يحسب حسابه الكبير كما الصغير.
ويريدون إدارة تخضع لرقابة صارمة وتتميّز بالكفاءة والنظافة، يديرها مسؤولون يكتسبون الحصانة من حسن الممارسة لا من قوّة الحماية السياسيّة والطائفيّة. يريدون إدارة يشترون منها الخدمات بالضريبـــــة وليس بالرشـــوة  والضريبة معًـا.
أيّها السادة، 
الناس، كلّ الناس، يدركون عمق الأزمة المعيشيّة، وحقّهم حين نطلب منهم المساهمة في حلّها، وهم مستعدّون، أن يسألوا عن نوع السياسة الاقتصاديّة والماليّة التي ترعاهم، ما هي أعباؤها وكيف تراكمت والى أين ستقود؟ كما أنّ من حقّهم أن تكون لهم سياسة ضريبيّة متوازنة وعادلة. تتوزّع فيها النسبة على الثروة فلا يحمل المحتاج أعباء المُقتدِر.
ايها السادة،
        الناس يريدون أن تكون الإنجازات خاضعة للقوانين والأنظمة بحيث يزول كلّ شك وشكوى، وحقّهم أن يعرفوا كيف تُصرَف واردات الضرائب وكيف تعصر النفقات، وكيف تُنفّذ الالتزامات والمشاريع وكيف تدار الأملاك الرسميّة، وكيف تراقَب الأموال العامة مراقبة إلزاميّة مسبقة في صرفها، ولاحقة في تنفيذها، وحقّهم علينا أن نتقشّف قبل أن نطلب منهم التقشّف، وحقّهم في الإجمــــال أن لا تكون الأرقام سرًّا من أسرار الدولة. وحقّهم وقبل أيّ شيء آخر، أن يرَوا كيف يكافَأ الحريص والموفِّر وأن يرَوا كيـــف تُقطع يد السارق أيًّا كان.
نعم، وان يروا كيف تقطع يد السارق ايا كان، والمهدِر والمنتفع والمرتشي.
أيّها السادة،
الناس، ولا سيّما جيل الشباب منهم، يريدون اهتمامًا بالقضايا التربويّة والاجتماعيّة والصحيّة والإنسانيّة والبيئيّة.
        فلا يجوز أن يكون الفقر مانعًا للعلم.
ولا يجوز أن يكون الفقر مانعًا للصحّة.
ولا يجوز أن يكون الفقر مانعًا للعمل.
ولا يجوز أن يستمرّ الإجرام البيئيّ.
ولا يجوز أن يبقى مهجَّر خارج أرضه.
ولا يجوز أن ينسى المهاجر الوطن.
ولا يجوز رهن السياسة بالطائفيّة.
أيّها السادة،
        والناس كلّ الناس، يريدون أن يعرفوا ما بيننا وبين سوريا. نعم، يريدون أن يعرفوا، وحقّهم ولا سيّما جيل الشباب منهم أن تنجلي عندهم التساؤلات، وأن يكون لديهم أجوبة. وإليهم أقول إنّه منذ اندلاع الحرب - الفتنة عام 75، كانت لسوريا مبادرات متلاحقة وجديّة لوقفها. وكانت هنالك بالمقابل مراهنات مضادّة، انساق إليها البعض وحوّلـــت لبنــــان إلى ساحة نزف واستنزاف.
وأقول أيضًا، لكلّ من لا يعرف الحقائق، وبالأخص لمن لا يريد أن يسمعها، أنّه لو أدرك اللبنانيّون، لا سيّما بعض من كان منهم مسؤولًا حينذاك، لو أدركوا جوهر المبادرة السورية التي أطلقها الاخ الحقيقيّ للبنان الرئيس حافظ الأسد لما استمرّ النزف والدمار إلى الأمس القريب.
أيّها السادة،
        لقد كان خطأ سياسيًّا كبيرًا بحقّ لبنان، نعم، بحقّ لبنان، أنْ تصرّف البعض في الماضي على أنّ العلاقة مع سوريا هي مراهنة مرحليّة نستعين بها عندما نضعف، ونطعنها عندما نقوى، أو نسايرها حين تقوى، وننكرها حين تضعف، متجاهلين أنّنا، إنّما نقوى معًا أو نضعف معًا.
إنّ علاقتنا بسوريا، هي علاقة تاريخ وأرض وشعب. فلا يمكن أن تكون مراهنة أو مسايرة، بل هي مصير وخيار. إنّ تجربتي في بناء الجيش زوّدتني بالإيمان والبرهان بأنّ سوريا، بقائدها وشعبها وجيشها، تريد الخير للبنان، وتدعم الدولة اللبنانيّة دون حدود. فهلّا عرف اللبنانيّون في موقع الحكم والسلطة أن يوظّفوا هذا الدعم لبناء دولتهم ومؤسّساتهم، فيحبّهم الناس ويحبّون سوريا من خلالهم، بدلًا من توظيف هذا الدعم لأنفسهم، فيدينهم الناس ويُساء إلى سوريا.
أيّها السادة،
وأكثر ما يريده اللبنانيّون، هو الجنوب، أهل الجنوب، نعم، الجنوب وأهل الجنوب.
        فمِن على هذا المنبر أحيّي الصامدين والمقاومين، أحياء وشهداء، والداعمين لجيشهم في مواجهة الاحتلال الاسرائيليّ، وإليهم أقول، إنّ القضيّة الوطنية الكبرى هي أنتم وإزالة الاحتلال عنكم.
لقد آمن لبنان بأنّ السلام العادل والشامل والدائم، هو خيار استراتيجيّ وحيويّ. وشارك من هذا المنطلق في مؤتمر مدريد على أسس تنفيذ قرارات الأمم المتّحدة ومبدأ الأرض في مقابل السلام، وها أنّه قد مضت سنوات على هذا المؤتمر وإسرائيل لا تزال تستفرد الأطراف العربيّة لتقيم مع كلّ واحد منهم نصف سلام، نعم نصف سلام يوحّد اسرائيل ويقسّم العرب.
        لقد جرّدت إسرائيل خلال الفترة الماضية حملة سياسيّة وإعلاميّة واسعة لإظهار أنّ لبنان يرفض انسحابها من أرضه وفقًا للقرار 425. أمّا الواقع أيّها السادة فإنّ لإسرائيل مفهومًا خاصًّا لتنفيذ القرار 425 لا ينسجم مع المصلحة اللبنانيّة والكرامة الوطنيّة، لذلك كان جوابنا أنّنا نرفض إعطاء ضمانات وترتيبات لانسحاب يريح إسرائيل على حسابنا، وقلنا إنّ الضمانات من أيّ نوع كانت إنّما تكون من خلال السلام، كلّ السلام، وليس نصف السلام.
إنّ كلّ السلام في مفهومنا يعني أنّ للبنان مصلحة وطنيّة عليا ثابتة ودائمة ومصيريّة تقضي، وأيًّا تكن الظروف والاعتبارات بتلازم المسار مع سوريا، على قاعدة الانسحاب الإسرائيليّ الشامل من الجنوب اللبنانيّ والبقاع الغربيّ والجولان على حد سواء، وفقًا لقرارات الأمم المتّحدة، وحينذاك يكون سلام بكلّ ظروفه ونتائجه على الجميع بما فيها الأمن والمصالح الأخرى.
        إنّ الدول العربيّة الشقيقة المشكورة لكلّ ما قدّمت للبنان ماضيًا وحاضرًا هي خزّان المحبّة والأخوّة والدعم الذي نعتمد عليه في مواجهة الأعباء المترتّبة عن الاحتلال الإسرائيليّ وللنهوض في مسيرة الإعمار والتنمية. ولبنان المعافى رصيد لكلّ العرب، وكما هم مساهمون في عافيته كذلك أبناؤه يعتبرون كلّ بلد عربيّ بلدهم. 
إنّني أتّطلع بأمل إلى أن يظلّ لبنان في صلب اهتمام أخوته العــرب بما يخفّف عنه تراكمات الدمار الماضي وأعباء المرحلة الراهنة والمقبلة.
كما أتّطلع إلى التعاون مع دول العالم الصديقة، وأخصّ بالشكر تلك التي دعمت لبنان في مجالات الخبرة والاقتصاد والمشاريع والتنمية، وتلك التي تدعم لبنان في المحافل الدوليّة، آملًا ان يكون مفهوم السلام العادل والشامل هو لغة التعاون التي على أساسها نبني المستقبل.
أيّها السادة،
أريد أن يعرف الناس أنّنا في نظام ديموقراطيّ برلمانيّ يخضع فيه التغيير لمقاييس وأصول وتخضع فيه السلطات لمبادئ وأحكام، تُحدّد الصلاحيات لكلّ منها وفي ما بينها بحيث أنّه يستحيل على إحداها منفردة أن تُحْدِث التغيير المرتجى.
لذا أقول للناس: أنا لا أدّعي أنّ لديّ عصًا سحريّة تلبّي الآمال بين ليلة وضحاها، ولكن لديّ النيّة والإرادة، نعم، لديّ النيّة والإرادة، ويدي ممدودة للجميع في كلّ ما هو خير وصواب وعدل.
وأقول للناس: حتمًا ستكون هنالك بداية، نعم ستكون هنالك بداية، فلا تستعجلوا الأحكام على الوجوه والأسماء أيًّا تكن وانتظروا الممارسة ففيها الجواب.
فأنتم الحكم وإليكم الاحتكام،
أيّها اللبنانيون، أنتم الحكم وإليكم الاحتكام.
عاش لبنان.

خطاب قسم الرئيس الياس الهراوي - الرئيس العاشر بعد الاستقلال



(1414 كلمة)
دولة الرئيس، حضرة النوّاب المحترمين.
بالأمس القريب اجتمع المجلس النيابيّ لينتخب رئيسًا للجمهوريّة قادرًا على قيادة مسيرة الوفاق والسلام، مسيرة استعادة السيادة والكرامة الوطنيّة، واليوم يجتمع مجدّدًا والحزن يلفّه على شهيد الوحدة الوطنيّة وعلى ربّان السفينة التي عادت تتقاذفها أمواج المؤامرات.
لقد سقط فخامة الرئيس رينيه معوّض شهيد واجبه الوطنيّ وإيمانه بمقدّسات التزم بها في خطابه الرئاسيّ الأوّل أمامنا. لقد سقط وهو يناضل من أجل الوفاء بعهده بأنّه سيؤدّي واجبه كاملًا نحو وطنه وشعبه، وأنّه لن تثنيه صعوبات عن متابعة مسيرة الخلاص.
لقد سقط من "أجل أن ترتفع راية الأرز فوق كلّ القمم، ويسلم حقّ المواطن وكرامة الانسان فتعود البسمة إلى كلّ الشفاه والاستقرار إلى لبنان".
لقد خافوا من إيمان شهيدنا العظيم بلبنان، ومن عزمه على تحقيق "رهان عمره في إرساء المصالحة بين اللبنانيّين"، وفي استعادة سيادة الوطن كاملة، فغدروه وقتلوه ظنًّا منهم أنّهم يقتلون معه أهدافه وأهداف كلّ لبنانيّ مخلص شريف.
إلّا أن مجلسكم الكريم، وفي وقفة وطنيّة رائعة، هبّ يلبي نداء الوطن مجدّدًا رافضًا أن تذهب دماء شهيدنا العظيم هباء، وأن تسقط معه تطلّعاته، وأن يُغتال معه مشروع وثيقة الوفاق الوطنيّ. لقد هبّ مجلسكم بشجاعته المعهودة، يواجه أيادي الغدر ويردّ على القتلة الجبناء، معلنًا أنّه إذا مات رئيس البلاد فلبنان لا يموت، وأنّ ارادة اللبنانيّين في الحياة لا يمكن أن تموت، وأنّ مسيرة الإنقاذ التي ابتدأت لن تتعثّر ولن تنكفئ.
وانطلاقًا من هذا الإيمان الراسخ التأم مجلسكم فورًا ليفوّت فرصة القضاء على لبنان الواحد، ولينقذ مسيرة الخلاص مقدّمًا بذلك إلى الرئيس الراحل إكليل عرفان ووفاء وتعزية، منتخبًا من يتابع الرسالة الوطنيّة عنه، ومن يحمل الراية التى هوت معه، فيكمل الجهاد من أجل إنقاذ الوطن.
أيّها السادة، 
لقد شاءت الأقدار أن تلتقي إرادتكم على شخصي لأتحمّل المسؤوليّة الرئاسيّة، فإليكم امتناني للثقة الغالية التي أوليتموني إيّاها.
وإلى الشعب اللبنانيّ العظيم عهدي بأن تعود راية الأرز خفّاقة عالية فوق كلّ شبر من أرض لبنان، وأن يستعيد وطننا الحبيب سيادته واستقلاله، وأن يَنْعم اللبنانيّ، كلّ لبنانيّ، بحقّه في الحياة الكريمة الآمنة. وإلى الرئيس الشهيد وعدي بأن التزم مبادئَه، وأن أحقّق الأهداف التي أعلنها والتي من أجلها سقط، فترتاح روحه القلقة على لبنان وقد استعاد كامل وحدته وسيادته.
أيّها السادة،
        الظرف عصيب، ولبنان اليوم مهدّد، أكثر من أيّ يوم مضى، بعظيم الأخطار، واللبنانيّون قلقون على المصير، حائرون يتلمّسون الخلاص حينًا، وتخيب آمالهم أحيانًا... إلّا أنّه، وللمرّة الأولى، منذ اندلاع شرارة الأحداث في لبنان تُتاح لهم فرصة سلام حقيقيّة متمثّلة بوثيقة الوفاق الوطنيّ، التي أجمع العالم بأسره على دعمها وأقرّها مجلسكم الكريم... إنّها مشروع متكامل للإنقاذ ولوضع حدّ نهائيّ وجذريّ للآلام والدموع ولوقف النزيف القاتل الذي يتفاقم يومًا بعد يوم. وخيار اللبنانيّين أصبح واضحًا، فإمّا الالتزام بهذه الوثيقة والاستفادة من الضمانات والدعم العالميّ لها، وإمّا أن يجهضوها ويقضون على بارقة الأمل الوحيدة المتوافرة لهم، وتبقى البلاد عرضة للمؤامرات التي تستهدف الوطن ووحدته وشعبه.
فخيار اللبنانيّين بين وحدة لبنان وشعبه ومؤسّساته، وبين تقسيمه واقتسامه وشرذمته وزواله، وقد اخترنا باسمهم الوحدة.
وخيار اللبنانيّين بين بناء مجتمع العدالة المتطوّر ديمقراطيًّا، وبين الاستمرار في الاقتتال العبثيّ وتسعير الأحقاد وإذكاء روح التعصّب والتفرقة، وقد اخترنا باسمهم البناء ووقف التدمير والهدم.
وخيار اللبنانيّين بين نظام ديمقراطيّ مصدر سلطاته إرادة الشعب اللبنانيّ، وبين أنظمة الديكتاتوريّة حيث لا قيمة للإنسان وحريّاته وحقوقه، وقد اخترنا باسمهم النظام الديمقراطيّ الحرّ.
وخيار اللبنانيّين بين دولة المؤسّسات الحديثة ذات الصلاحيّات الواضحة والمسؤوليّات الناتجة عنها بحيث يطال القانون كلّ اللبنانيّين مهما علا شأنهم، وبين الدولة السائبة التي تتضارب فيها الصلاحيّات وتضيع في طيّاتها المسؤوليّات... فلا من يحاسب أو يعاقب ممّا يجعل المقدّسات الوطنيّة والأموال العامّة وحقوق المواطنين عرضة لكلّ طامع وفاسد، وقد اخترنا باسمهم دولة المؤسّسات.
وخيار اللبنانيّين بين دولة تقوم على الأخلاق والكفاءة وبين دولة تقوم على المحسوبيّة وانعدام الاخلاق، وقد اخترنا باسمهم دولة الأخلاق. 
وخيار اللبنانيّين بين دولة تحقّق العدالة الاجتماعيّة الشاملة على أساس الإنماء المتوازن للمناطق، وبين دولة الحرمان والإجحاف والتميّيز بين المواطنين وقد اخترنا باسمهم دولة العدالة.
وخيار اللبنانيّين بين دويلات الطوائف المتنافرة والضعيفة، وبين الدولة الواحدة القويّة الجامعة التي تعزّز الانتماء الوطنيّ المحض على حساب الانتماء الطائفيّ دون أن تُمسّ حقوق أيّة طائفة أو وجودها أو حريتها وقد اخترنا باسمهم الدولة الواحدة التي تضمّ العائلات الروحيّة المتنوّعة في إطار الوحدة الوطنيّة الشاملة والصحيحة.
وخيار اللبنانيين بين حالة الفلتان السائدة، فلا حقّ في حمى القانون ولا حياة في أمان ولا أمل في مستقبل، وبين أن تبسط الدولة سلطتها تدريجيًّا على كامل أراضيها، وبواسطة قوّاتها الذاتيّة، فتحلّ جميع الميليشيات، وتجمع السلاح، وتعزّز قوّاتها الأمنيّة والعسكريّة لتعود السلطة الضامنة الوحيدة لحقوق المواطنين، وقد اخترنا باسمهم دوام سيادة القانون.
وخيار اللبنانيّين بين أن يبقى قسم كبير وعزيز منهم مهجَّرًا ضمن وطنه أو مهاجرًا خارجه، وبين أن تُحلّ قضية المهجريّن اللبنانيّين جذريًّا فيعود كلّ منهم إلى المكان الذي هُجِّر او هاجر منه ليعيش فيه بأمان وكرامة وحريّة، وقد اخترنا باسمهم عودة المهاجرين والمهجّرين.
وخيار اللبنانيّين بين أن يبقى جزء من أراضي وطنهم تحت نير الاحتلال الإسرائيليّ، وبين أن نحرّره بتطبيق القرار رقم 425 الصادر عن مجلس الأمن الدوليّ، وبإعادة بناء جيش وطنيّ قادر، وقد اخترنا باسمهم استعادة سيادتنا وتحرير أرضنا وتوحيد شعبنا.
وخيار اللبنانيّين بين أن نبقى دولة عاجزة عن بسط سلطتها على كامل أراضيها، وبين أن نسرع ببناء قوّاتنا الشرعيّة الذاتيّة لنستعيد قدراتنا على بسط سلطة القانون ونستغني عن أيّ وجود عسكريّ غير لبنانيّ، وقد اخترنا باسمهم بناء الدولة القادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها وألّا تبقى مرتفعة في لبنان سوى البندقية الشرعيّة اللبنانيّة.
وخيار اللبنانيّين بين أن نتنكّر لتراثنا في الانفتاح والتفاعل الحضاريّ ولدورنا الطليعيّ في محيطنا فنعيش منعزلين متقوقعين أسرى الهواجس والأوهام، وبين أن نتفاعل مع عائلتنا العربيّة ملتزمين قضاياها المصيريّة ومواثيقها، وقد اخترنا باسمهم تعزيز انتمائنا العربيّ، المتوافق مع تاريخنا وتطلّعاتنا الوطنيّة، والمتلاقي مع العاطفة العربيّة الصادقة التي تجلّت في الجهود المشكورة التي تبذلها اللجنة العربيّة الثلاثيّة العليا باسم العرب جميعًا، وفي الضمانات التي قدّمتها لحسن تنفيذ وثيقة الوفاق الوطنيّ، خصوصًا في الشقّ المتعلّق باستعادة السيادة الوطنيّة وإعادة إعمار لبنان. 
وخيار اللبنانيّين بين أن نبقيَ صفحة سوء التفاهم بين لبنان والشقيقة سوريا مفتوحة مع ما ينتج عنها من أضرار للبلدين عرّضت شعبنا للكثير من المآسي، وبين أن نطوي هذه الصفحة نهائيًّا، ونفتح صفحة جديدة مشبعة بروح التعاون الصادق الكفيل بخلق أجواء الثقة المتبادلة، وبناء علاقات أخويّة تحقّق مصلحة البلدين والشعبين في إطار سيادة واستقلال كلّ منهما، وقد اخترنا باسم اللبنانيّين التوجّه الأخير، خصوصًا وأنّ إعلان الشقيقة سوريا موافقتها على مشروع وثيقة الوفاق الوطنيّ مع ما احتوته من تأكيد على سيادة واستقلال لبنان، وعلى كونه وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه أسقط هواجس البعض ومخاوفهم.
 أيّها السادة،
        إنّ الخيارات التي ذكرتها تؤكّدها وثيقة الوفاق الوطنيّ التي أقرّها مجلسكم الكريم والتي ألتزم بها أمامكم، وهي ستكون برنامج عمل حكومة الوفاق الوطنيّ التي سيتمّ تشكيلها في أقرب فرصة ممكنة. إنّ اعتماد هذه الخيارات المصيريّة يدفعنا حتمًا إلى خوض معركة إنقاذ لبنان واللبنانيّين، وهم في وحدتهم وتصميمهم على الخلاص أكبر ضمانة لنجاح هذه المسيرة الإنقاذيّة... من هذا المنطلق إنّني أمدّ يدي للتعاون مع كلّ اللبنانيّين، وبصورة خاصّة مع القيادات منهم دون استثناء، ومع الجيل الطالع الذي حرمته الأحداث من نعمة الحياة الكريمة، والذي يستطيع أن يستعيد الأمل بلبنانَ عزيزٍ سيّد حرّ مستقلّ ومستقرّ، من خلال دعم مسيرتنا الهادفة إلى إعطاء هذا الجيل حقّه في المشاركة الفعّالة ببناء وتطوير وطنه نحو الأفضل. ومن هنا دعوتنا إلى التعقّل بدل المغامرات المحفوفة بالمخاطر، ودعوتنا إلى الواقعيّة بدل الشعارات التي ستحوّل الأحلام إلى كوابيس والآمال إلى دموع. ودعوتنا إلى الحياة بكرامة بدل الانتحار الجماعيّ والمجانيّ.
أيّها السادة،
        يوم توافقنا في الطائف وأجمع العالم على دعمنا وتأييدنا، انطلقت مسيرة السلام في لبنان ومسيرة استعادة سيادتنا وكرامتنا الوطنيّة... ومهما حاول أعداء لبنان عرقلة هذه المسيرة فلن ينجحوا لأنّ إرادة الحياة لدى شعبنا العظيم هي أقوى من قوى الموت والشرّ، ولأنّ اللبنانيّين المعذَّبين قد شبعوا اقتتالًا وتشريدًا وتهجيرًا وتضحيات لم تحقّق حتّى اليوم أيّا من الأهداف الوطنيّة، وأنهم بعد معاناتهم الطويلة باتوا مقتنعين بأنّ خلاصهم هو في يدهم وفي وحدتهم، وأنّ الوفاق الذي وفّرته وثيقة الوفاق الوطنيّ هو المدخل الجديّ لاستعادة العافية والمناعة الوطنيّة وبناء الدولة القادرة السيّدة، ولاستعادة المقاييس الوطنيّة والقيم الإنسانيّة.
إنّني أدعو جميع إخواني اللبنانيّين إلى الانضمام فورًا إلى مسيرتنا الوطنيّة، وإلى وقف لغة العنف والاقتتال، فنعيد إلى جيشنا اللبنانيّ دوره الأساسيّ في حماية الوطن والنظام، ليبقى الدرع الواقية التي تردّ عن لبنان الأخطار وتؤمّن للمواطن حقّه المقدّس في الحياة الكريمة، ونتفادى بذلك محاولات إسقاطه كمؤسّسة وطنيّة تقوم على مبادئ الشرف والتضحية والوفاء للشرعيّة في سبيل لبنان الواحد الموحَّد.
إنّ يدي ممدودة بكلّ محبّة وإخلاص للجميع من أجل التعاون الصادق لإنقاذ الوطن، وأملي أن تمتدّ الأيادي المتردّدة لملاقاتها خدمة للبنان، مؤكّدًا على أنّ مسيرتنا لن تتوقّف مهما عظمت الصعاب، وهي تستدعي تضافر جهود الجميع، كما وهي قادرة على سحق كلّ من سيقف في وجهها، لأن مصلحة لبنان وشعبه هي أكبر وأهمّ من كلّ الاعتبارات والأشخاص والمصالح.
إنّنا في صدد بناء دولتنا القويّة والعادلة واستعادة سيادتنا غير المنقوصة، فلا مجال للمساومة أو التردّد ... وإنّ قبولي تولّي منصب رئاسة الجمهوريّة في هذه الظروف الدقيقة لهو تأكيد على اقتناعي الكلّيّ بصوابيّة خياراتنا وعلى تصميم الرئاسة على بذل كلّ شيء من أجل لبنان ...
والله وليّ التوفيق.
عاش لبنان