لماذا هذه المدوّنة؟

إطلاق المدوّنة: 27 تشرين الثاني 2014.
****************
للتذكير: سبق وأنشأنا مدوّنة هذا عنوانها http://arabicsagesse.blogspot.com/

رابط أغنية إنت المعنى (كلمات ماري القصّيفي - لحن روجيه صليبا)

رابط أغنية يا عواميد الحكمة السبعة (كلمات ماري القصّيفي - لحن إيلي الفغالي)

رابط أغنية فوق التلّة الما بتنام (كلمات ماري القصّيفي - اللحن والأداء لنادر خوري)

رابط أغنية يا حكمتنا (كلمات زكي ناصيف - لحن نديم محسن)

رابط أغنية يا عصافير النار (2019 - الصفّ الأساسيّ الثاني C)

رابط أغنية قصّة شادي وكتابو (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس A)

رابط أغنية نسّم علينا الهوا (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس B)

رابط أغنية نقّيلي أحلى زهرة (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس C)

رابط أغنية طيري يا طيارة طيري (2019 - الصفّ الأساسيّ الخامس D)

رابط أغنية أهلا بهالطلّة (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابعِ A)

رابط أغنية شدّوا بالصنّارة (2019- الصفّ الأساسيّ الرابع B)

رابط أغنية طلّوا حبابنا (2019 - الصفّ الأساسيّ الرابع C)

الجمعة، 19 أكتوبر 2018

خطاب قسم الرئيس شارل حلو - 1964 (الرئيس الرابع بعد الاستقلال)



(639 كلمة)
        
        عطوفة الرئيس، حضرات النواب المحترمين، 
        إنّ ثقتكم الغالية التي رفعتني إلى سدّة الرئاسة ملأت قلبي شعورًا بالفضل وإدراكًا للمسؤوليّة. وهي إذ تجعل منّي أبًا لمجموع الأسرة اللبنانيّة وتسلخني عن صلة الدم والقربى، إنّما تلاشى عندي ما تجمعه الأيّام والأحوال في نفس كلّ بشر من رواسب التباين أو التفضيل، وتهيب بي، في جميع الظروف، إلى التقيد بما يفرضه الواجب في مجالات الدفاع عن استقلال البلد وسيادته ودستوره وصيانة الحقوق والبر بالعهود. وليس لي في هذا منّة أو فضل، إنّه وليد ما عليّ للأمة واقتفاء للقدوة السامية الماثلة أمام أعين اللبنانيّين في شخص الرئيس فؤاد شهاب الذي جاء تجرّده الشخصيّ عنوانًا لأروع الأمثولات في وقف كلّ طاقات الإنسان على خدمة الوطن وإسعاد الشعب. لقد وطّد اللواء فؤاد شهاب عهدًا اتّسم بطابع الطمأنينة العامّة، والاستقرار السياسيّ، والازدهار الاقتصاديّ، والتقدّم الاجتماعيّ، وأصبحت المحافظة على قواعد العهد ومنجزاته أمانة غالية في عنق من يخلفه.

        عطوفة الرئيس، حضرات النوّاب المحترمين، 
        أؤمن بلبنان إيماني بالله تعالى. أؤمن بأنّ هذا الوطن الصغير الرقعة، يمكنه أن يكون مثالًا رائعًا للدولة  المحبة للسلام، متآخيًا بإخلاص مع جاراته وشقيقاته الدول العربية، ومطلًّا على مشارق الدنيا بأسرها بنشاط أبنائه المقيمين والمغتربين. 
      وأؤمن بأنّ وحدتنا الوطنيّة تنبع في الأصل ليس من إيماننا جميعًا بوطن واحد فحسب، بل قبل ذلك بإله واحد وبكرامة الإنسان وحريّته وحقّه الأساسيّ في حياة ماديّة واجتماعيّة كريمة، تتحقّق بالمساواة بين جميع اللبنانيّين في الحقوق والواجبات، وتتميّز بالمحبّة والتسامح. 
     وأؤمن بأنّ النظام الديمقراطيّ ضرورة جوهريّة لبلادنا. فهو بالإضافة إلى ما يكرّس من حريّات ويؤمّن من توازن بين السلطات، إنّما يتيح عندنا مجال اللقاء المثمر بين الأسر الروحيّة اللبنانيّة فيتفاعل نشاطها ضمن المؤسّسات الديمقراطيّة، وتتقابل حاجاتها وآراؤها في إطار من التعاون الأخويّ. وإذا كان الحكم شورى فإن نظام الشورى هو في لبنان أحد شروط الحياة المشتركة والاستقرار. 
      وأؤمن بأنّ السياسة الخارجية أرسيت، منذ الاستقلال، على قواعد متينة تتوازى مع إرادة شعبنا في العيش المشترك، ووحدة شعورنا وموقعنا الجغرافيّ، وتاريخنا والأواصر الطبيعيّة والأخويّة التي تشدنا إلى العالم العربيّ، وانفتاحنا على العالم الأوسع وتعاوننا مع جميع الدول الصديقة على أساس المساواة. فكان، من هنا تلازم مستمر بينها وبين السياسة الداخلية. ومثل هذا التلازم قائم في لبنان، أكثر منه في أيّة بلاد أخرى، بين المعضلات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. فلا سبيل إلى ما نحرص عليه كلّ الحرص من تقدّم اجتماعيّ مطرّد إن لم يستمر للبلاد ازدهار اقتصاديّ هو ذاته مشروط بالاستقرار السياسيّ. ولذلك يتحتم على المواطنين جميعهم مساندة الدولة في مبادرتها إلى صيانة الحريّات الفردية والجماعيّة، وبالتالي إلى إيجاد حلول للمعضلات الدائمة والطارئة يتلاقى من أجلها مجهود الدولة مع المجهود الفرديّ، ويسيران معًا على هدى مخطّط مدروس على أسس علميّة وواقعية. وهذا كلّه يحتاج بالطبع إلى أجهزة عمل إلى أداة تنفيذ إلى الإدارة بمعناها الواسع. ولقد خطت الإدارة اللبنانية في السنوات الأخيرة خطوات كبرى إلى الأمام بفضل الضوابط الإداريّة والماليّة التي أحيطت بها، والتي ينبغي تعزيزها، غير أنّ إصلاح الإدارة لا يمكن أن يحقّق غاياته كاملة، ويؤتي ثماره إن لم يرافقه عمل جديّ لتعزيز التربية المدنيّة والروح المسلكيّة عند الذين تتعامل معهم الإدارة أي مجموع أفراد الشعب.
        ولعلّ كلامنا، إذ يطمح إلى مزيد من الصلاح والإصلاح يسبر غور نفسه، ويجيل الطرف في محيطه أولاً ليرسّخ فيها (أي في نفسه) وفيه (في محيطه) فكرة ما يبتغيه فتتلاقى مع الزمن الجهود المماثلة، وتنعكس مجتمعة في علاقات الشعب بالدولة. لقد آن لكلّ مواطن، أياً كانت مرتبته في صفوف الأمّة أو في أجهزة الدولة، أن يشعر بمسؤوليّة عمله الفردي، ويقتنع بأنّ أصداء هذا العمل في الداخل وفي الخارج وتفاعلاته التي لا تقاس سلفاً تكون أقوى وأبعد كلّما ارتفعت مرتبة صاحبه. ويقتضيني المنطق والحقيقة في هذا المجال، القول انّ الرجل الذي ينتهي إليه شرف رئاسة الدولة يجب أن يفرض على نفسه تجرّدًا وزهدًا كاملين كي ينطلق من نكران ذاته إلى كبح جماح الأنانيّات، وإلى تشجيع روح التضحية في سبيل المصلحة العامة. أيّها السادة، إنّي مدرك كلّ الادراك فداحة الأعباء وعظمة التبعات الملقاة على عاتقي وأسأل الله سبحانه وتعالى عونًا عليها.
        وآمل أن يكون من عمل مجلس النواب ونشاط الحكومات ومن تعلّق كلّ مواطن بهذه الأرض اللبنانيّة الخيّرة عون آخر لنسير جميعًا بلبنان على دروب العزة والمنعة والكرامة.
        عاش لبنان.

خطاب قسم الرئيس فؤاد شهاب - 1958 (الرئيس الثالث بعد الاستقلال)


(942 كلمة)


     حضرات النواب المحترمين.
     بين مركز قيادة الجيش حيث الصمت رفيق الواجب، ومنبر هذه الندوة حيث الكلام هو السيّد، مسافة لعلّها أصعب ما كتب لي أن اجتازه منذ سلكت طريق الجنديّة. غير أنّ ثقة الشعب الغالية التي شاءت، يوم عبّرتم عنها، أن توليني مهام رئاسة الجمهوريّة، يمكنها دائمًا أن تسهّل لي ما أردتم بهذه الرئاسة وأردت من خدمة لبنان وشعبه.
إنّ أوّل ما يتّجه اليه تفكيرنا، ونحن في هذا الموقف الذي يمتلئ فيه القلب بروعة المسؤوليّة أمام الله والوطن، هم أولئك اللبنانيّون الذين سقطوا صرعى في الأيّام الدامية من حياة لبنان. فأمام أرواحهم نقف بخشوع لنعلن أنّ ما قدمه لبنان في أزمته الأخيرة من ضحايا، وما قاساه من مشقّات ومتاعب، وما تكبّده من خسائر، لا يجوز أن يذهب هباء، بل يجب أن يكون للبنان من ذلك كلّه أعظم الجنى. وفي عنق كلّ لبنانيّ أن تنبت من البؤس والدماء والآلام أغراسُ العز والهناء والازدهار.

إنّ إقرار الأمن وحكم الدولة في جميع المناطق اللبنانية، ونزع السلاح من أيدي اللبنانيّين كافّة دون تمييز وبلا هوادة، وإعادة الحياة والنشاط إلى الاقتصاد اللبنانيّ، وبناء ما تخرّب من مرافق البلاد ومعالمها، وإزالة التوتر في العلاقات بين لبنان وبعض شقيقاته العربيّات، ولا سيّما تلك التي تجاوره، وفوق هذا كلّه تحقيق انسحاب القوات الاجنبيّة عن أرض الوطن بأسرع وقت، إنّما هي القضايا الملحّة التي يتطلّب حلّها تصميم المسؤولين الكامل، وحزمهم الأوفى، وعنايتهم الدائبة.
على أنّ هنالك ناحية أخرى من نواحي الأزمة هي ما تخلّف عن حوادثها وأيّامها من تباعد وتنافر بين أعضاء الأسرة اللبنانيّة. وما أظن اللبنانيّين جميعًا إلّا متألّمين لهذا الواقع المؤسف، وتوّاقين الى تصفية النفوس، وتنقية الصدور ممّا علق بها. إنّ منطلقنا في ما نصبو إليه من تصفية آثار الأزمة وحلّ المعضلات الناشئة عنها، وما نصبو إليه من بناء وطن حرّ متقدّم، ومستقبل مستقرّ مجيد، إنّما هو التمسّك بالوحدة الوطنيّة.
إلى هذه الوحدة، إلى إحيائها والاعتصام بها، إلى العيش المستمرّ في ظلّها، أدعو اللبنانيّين جميعًا.

فليس من مطمع ولا من مطلب، شخصيًّا كان أم حزبيًّا، يجوز أن نعرض من أجله هذه الوحدة. وليس من حقّ لفرد أو لجماعة يوازي جزءًا يسيرًا من هذه الوحدة. بل ليس من واجب ألزم على اللبنانيّين من الحرص عليها، والسعي إلى دعمها، ولا من جريمة في حقّ الوطن أشنع وأخطر من العمل على هدمها أو التفريط بها.


حضرات النوّاب المحترمين.
في الساعة التي أقسم فيها يمين المحافظة على الدستور اللبنانيّ، أعاهدكم وأطالبكم بعهدكم على الوفاء للدستور غير المكتوب: ميثاقنا الوطنيّ. فهو الذي جمعنا ويجمعنا على الإيمان بلبنان وطنًا عزيزًا مستقلًّا، سيّدًا حرًّا، متعاونًا بإخلاص وصدق مع شقيقاته الدول العربيّة إلى أقصى حدود التعاون لما فيه خيره وخيرها جميعًا، مقيمًا علاقاته مع العالم أجمع على أساس الصداقة والكرامة والتعامل المتكافئ الحرّ.
وإذا كان ميثاق جامعة الدول العربيّة التي نغتبط جميعًا لاستئناف نشاطها، وميثاق هيئة الأمم المتّحدة، هما الدعامتان القويّتان لاستقلال لبنان، فإنّ الدعامة الكبرى تبقى في ميثاقنا الوطنيّ: في وحدة صفوفنا، واجتماع قلوبنا، في اعتمادنا على أنفسنا واتّكالنا على سواعدنا، في ولائنا الكامل غير المشوب ولا المجزّأ لوطننا لبنان.


حضرات النوّاب المحترمين. 

        الضرورة الأساسيّة الملحّة لبناء الدولة بناء سليمًا لم تتجلّ يومًا كما تجلّت في هذه الفترة الدامية الأخيرة. ولم يبقَ مناص من إقامة الدولة على أسس وقواعد ومقاييس مستمدّة من تصميم النخبة، ومصلحة الشعب وطموح الوطن.

ولكي يثق المواطن بالدولة، يجب أن يسري فيها روح الجدّ ويسيّره: الجدّ في المسؤولية عن الواجب وفي الحساب، والجدّ في جعل الدولة للمواطن وللكل على السواء، والجدّ في النظرة الى الغد والتصميم له.

ولا بدّ من أن يطمئن المواطن إلى تجرّد الحاكم، وعدل القاضي، وأمانة الموظّف.
ولا بدّ من أن يكون للحكم فيه كلُّ هيبته، وللقانون كلُّ سلطته، ولحقّ الفرد والجماعة كلُّ حرمته.
وعلى الدولة أن تتجاوز مهمة تأمين العدل والمساواة والنظام إلى تعزيز الفضيلة، ورعاية التقدّم، والعمل على ازدهار العِلم، وتوفير أسباب النمو الاقتصاديّ، وكفالة الرزق للفرد ومستوى العيش الكريم.

وإنّي، وأنا أَعِدُ مواطنيّ أمام مجلسكم بإعطاء الجهد كلّه في سبيل بناء الدولة، أطالب كلّ مواطن ان يقطع على نفسه العهد بأن يفي بمسؤوليّته ويقوم بكامل واجبه. فالنهوض بالدولة، النهوض الذي نهدف إليه اليوم، يحتاج إلى معاونة المواطنين جميعًا، وإلى حسّ الفرد بالانتماء إلى المجموع، وإلى تفهّم الحدود بين حقّ الذات وحق الآخرين، والتمييز بين الحرية والفوضى، والى التحلّي بروح النظام والخضوع الاختياري للقانون.

إنّ لبنان، الذي كان دائمًا حاملًا مشعل التقدّم في هذه البقعة من المشرق، وصاحب المبادرة في كلّ نهضة عربيّة، لن يطمئن، اليوم، الى الدعة التي تسلبه القدرة على الاستمرار في رسالته التقدمية المشعة، بل سيعمل بروح جديد على أن يظلّ موطن التوثّب والإقدام، ويحتفظ بدور الطليعة الذي هو دوره.

وإنّي، وأنا أتّطلع إلى وثبة لبنانيّة سبّاقة يدفعها هذا الروح الجديد، أتوجّه، بنوع خاص، الى عنصر الشباب الذي أتحسّس أشواقه إلى التقدّم والمجد، وأعرف استعداده للعطاء والبذل بسخاء.


حضرات النوّاب المحترمين.
من هذا المنبر الذي تصدر عنه كلمة الشعب، اسمحوا لي ان أبعث مقرونةً بالشكر لكم، تحيّة العرفان والولاء إلى الشعب الذي أوليتموني الرئاسة باسمه، وتحيّة المحبّة والوفاء إلى المغتربين الذين أقاموا في أرجاء الدنيا مجد لبنان العالي، والذين نتتبع، نحن المقيمين، نشاطهم وانتشارهم بعطف وعناية واعجاب.
ومن هذا المنبر، اسمحوا لي ان أعبّر عن طموح هذا الوطن، المنطوي على كنوز وفيرة من كوامن القوى الخلّاقة، وإمكانات الابداع، إلى غد لا يكون فيه لبنان شغل العالم بسبب أزمة سياسيّة تهدّد سلم منطقته أو سلم العالم، بل إلى غد مجيد يكون فيه لبنان محط أنظار الدنيا، بفعل دور حضاريّ ألمعيّ شعاعُه العلم العظيم، ونورُه الروح الكبير.
ولا بدّ لي، أخيرًا، من كلمة أوجّهها إلى جيشنا الحبيب. لقد رافقته ينشأ، ويترعرع، ويزهو، وعملت في سبيله ما استطعت. فمن حقّه عليّ أن أخصّه، الآن، في هذه اللحظة الخطيرة، بعاطفة ملؤها الحنو. لقد رأيته متحليًّا بوطنيّته وتفهّمه للواجب. وكان له الفضل الاكبر في سلامة الكيان، والمحافظة على معاني الدولة، واستمرار الحياة على أساس الديمقراطية والحرية والمحبة. فله منّي الثناء والشكر. وليعلم أنّه أبدًا موضع ثقتي ليقيني أنّه خليق بمجابهة كلّ المواقف بروح الاتحاد والانضباط.
أسأل الله تعالى أن يلهمنا السداد، وينير عقولنا بالحقّ ويفتح قلوبنا على التسامح والمحبة، ويهدينا لما فيه مرضاته وراحة الضمير وخير لبنان.
عاش لبنان.

الخميس، 18 أكتوبر 2018

نساء لعبن دورًا في استقلال لبنان



في بداية القرن العشرين:


برز اسمان: الستّ نظيرة جنبلاط في الجبل، والسيّدة عنبرة سلام الخالدي في بيروت. 


الستّ نظيرة ترتدي الأسود وتضع الوشاح

الستّ نظيرة جنبلاط:
ولدت سنة 1890م، ونشأت في بيت وجاهة وعلم، وفطرت على فطنة وذكاء.
تزوّجت من فؤاد جنبلاط قائمقام الشوف في أول آب سنة 1922، ولم يكن أمامها إلّا خيار واحد هو الاضطلاع بالمسؤوليّات والأعباء الملقاة على عاتقها، ومواجهة قدرها بقوة، واستلام الزعامة بعد مقتل زوجها فؤاد جنبلاط، ريثما يكون ولدها كمال جنبلاط قد أنهى دراسته الجامعيّة، وكان عمرها آنذاك 32 سنة، فأضحت زعيمة الشوف قرابة نصف قرن من الزمان، كان مليئاً بالأحداث الجسام والمهمات الصعبة، كما وقعت الثورة السورية العربية الكبرى 1925-1927 في أيامها. 
بذلت أقصى ما يمكن، وأصبحت كلمتها نافذة، وصارت محط آمال الكثيرين من أبناء شعبها وبني وطنها. 
ولم تنزع الحجاب في جميع المقابلات التي كانت تجريها مع المسؤولين وغير المسؤولين ورجال الدولة، إلّا بحضور شيخ من مشايخ الطائفة- في معظم الأحيان مع الشيخ وهبي طليع-

توفيت سيّدة القصر - كما لقبّوها - في سنة 1951، ودفنت في المختارة وسط مأتم حاشد مشى فيه الأعيان ورجال الدولة وأركان البلد.

************************



عنبرة سلام الخالدي
كتبت الصحافيّة سوسن الأبطح
تستحق عنبرة سلام الخالدي التي احتفت بها شركة «غوغل» على صفحتها الأولى في لبنان وعدد من الدول العربية، أكثر من تكريم وتذكار وإعادة كتابة لسيرتها التي لا شك كانت مفصلية لنساء لبنان وفلسطين، علماً وأدبا. بل هي واحدة من المناضلات الوطنيات اللواتي كن يعرفن جيداً أن عليهن مقاومة الغبن الواقع على أمتهن بالعمل الاجتماعي، كما بالفكر والمقالة والترجمة والخطابات التحررية، حتى يوم كانت النساء محجوبات في بيوتهن.
مولدها في بيروت عام 1897 لأب متنور، منفتح، له مقامه ووجاهته وحبه للعلم هو سليم علي سلام الذي كان رئيساً لبلدية بيروت، كما رئيساً لجمعية المقاصد، وأم متعلمة من عائلة معروفة بمعرفتها الدينية هي كلثوم البربير، جعل عنبرة تجمع بين التعليم التقليدي، والمعرفة الغربية الحديثة، في وقت كانت البنات فيه أميات يمنع عليهن الخروج من المنزل. عرفت الحجاب صغيرة كما بنات جيلها، وحفظت القرآن طفلة، لكن هذا لم يمنعها وبمساعدة من والدها أن تخطو صوب ما لم يكتب إلا لندرة من بنات جيلها، وعرفت كيف تستفيد من الفرصة. هي أخت أحد ألمع رؤساء وزراء لبنان صائب سلام وأكبر منه سناً، نشأت بين ثمانية صبيان وأختين، وتعلمت في مدرسة مار يوسف، وتتلمذت في مدرسة المقاصد على يد الرائدة جوليا طعمة دمشقية، التي كان لها أكبر الأثر عليها.
لا بد أن الغليان السياسي الذي رافق مطلع القرن العشرين، في لبنان والمنطقة، وما أحاط بالصبية اليانعة من فوران دفع بها للتفكر فيما حولها، خاصة أن الحرب العالمية الأولى كانت قد اندلعت. تعلمت الفرنسية والرقص والعزف على البيانو، وحرص الوالد على تعليم فتياته في البيت حين كان يتعذر الذهاب إلى المدرسة، فكان لعنبرة أستاذ علمها اللغة وفقهها هو العلامة عبد الله البستاني.
وكانت الحرب العالمية الأولى قد اندلعت. ولمساعدة لاجئي الحرب وفقرائها ومشرديها، وبناء على اقتراح عائلات بيروتية أسست مع رفيقات لها عدداً من الجمعيات منها جمعية «يقظة الفتاة العربية». وفي فترة لاحقة ترأَّست «نادي الفتيات المسْلمات» وبعدها «جمعية «النهضة النسائية». وهو ما ستكمله حتى بعد زواجها.
تروي عنبرة في أماكن متفرقة، وفي كتابها الجميل الذي قدّم له كمال الصليبي»جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين» (بيروت: دار النهار للنشر، 1977) ومن ثم طبعة أخرى عن (منشورات الجمل عام 2015. مع إضافة محاضرة «شرقية في إنجلترا»)، مقاطع من هذا العمر الذي لا يشبه غيره. ويقول الصليبي في مقدمة الكتاب: «إن «تاريخَ بيروت في العصر الحديث لن يكتب دون الرجوع إِلى مذكّرات السّت عنبرة، ولن يكتب تاريخُ النهضة النسائية في العالم العربي الحديث دون الاعتمادِ على هذه المذكّرات بالذات».
في سنة 1925 وأسوة بإخوتها وبصحبة والدها ذهبت إلى إنجلترا، وتعلمت معهم لسنتين على يد أساتذة خصوصيين أصول اللغة الإنجليزية. عن هذه المرحلة، تتحدث كيف أنها غبطت الإنجليزيات لتحررهن، وتساءلت لماذا يفرض عليها ما يعفى منه غيرها. وتقول في أكثر من مكان بأنها كانت تسأل والدها إن كانت تستطيع أن تخلع الحجاب لتلقي خطبها فيقول لها لك ما تريدين، لكنها كانت أحياناً تحتفظ بحجابها لإدراكها أنها في بيئة محافظة وعليها أن تراعي الظروف التي حولها وأن لا تحرج والدها.
كتبت أملي نصر الله في مؤلفها «نساء رائدات: من الشرق» أنه «في سنة 1927. نزعت عنبرة سلام عن وجهها النقاب عند البدء بمحاضرة في «نادي الأحد» في الجامعة الأميركية في بيروت حول زيارتها لإنجلترا، وكانت بعنوان «شرقية في إنجلترا». وكانت أول مسلمة في بلاد الشام تنزع النقاب في مكان عام، الأمر الذي سبب موجة غضب عارمة في الشارع البيروتي المحافظ». لكن الحقيقة أن عنبرة كانت قد تخلت عن النقاب والحجاب معاً في إنجلترا، ولبست القبعة أسوة بالفتيات هناك، وكانت تلتقي الرجال الذين يأتون منزلها. لكن هذه الحادثة بالذات في الجامعة الأميركية أحدثت صدمة في بيروت.
وتروي عنبرة أن القيامة قامت يومها، واتهمت بأنها آتية لتزرع الفساد، وتارة أخرى يجدون لها أسباباً تخفيفية بأنها تفعل ذلك بحثاً عن عريس. ووزعت المناشير ضدها، وتم الاعتداء على نساء لم يلتزمن بالنقاب كما يتوجب. وبقيت عنبرة في البيت درءا لإهانات قد تتعرض لها، لكنها في هذا الوقت كانت تلتقي بالأدباء أمثال أمين الريحاني وخليل رامز سركيس، وكل من يرتاد منزلها من كبار ذاك الزمان.
وبترتيب من أستاذتها جوليا طعمة دمشقية تعرفت عنبرة على مدير «الكلية العربية» في القدس، الفلسطيني أحمد سامح الخالدي، كان ذلك عام 1929 حيث ستنتقل للعيش معه هناك حتى نكبة عام 1948 حيث تركا القدس وعادا مع أولادهما إلى لبنان، لتبقى غصة في حلق الزوج الذي لم يحتمل أن يترك كل إنجازاته التعليمية خلفه وما بناه في وطنه ويسلم الروح فجأة عام 1951. وكتبت عنبرة صفحات مضيئة عن تاريخ فلسطين في تلك المرحلة، حيث تقول بأن الاهتمام بالتعليم كان يفوق عند الأمهات ما كانت قد رأته في لبنان، وأن الوعي السياسي بين الفلسطينيين كان أكبر مما يظنه البعض، لكن الاحتلال الإنجليزي لم يكن يسمح للفلسطيني بحمل عصا، وقمعهم كان هائلاً، فيما كان يتم تسليح اليهود بشكل منتظم وكبير.
عشرون سنة قضتها عنبرة في فلسطين كانت ثمرتها كبيرة. هناك ترجمت «الإلياذة» لهوميروس بعد أن اعتبرت أن ترجمة البستاني لها شعراً ونقلها إلى العربية على هذا النحو، لم يجعلها متاحة للقراء ولا في متناولهم، فوضعتها بالعربية نثراً نقلاً عن الإنجليزية، وكتب لها المقدمة طه حسين يومها. وعنبرة مفتونة بالأساطير منذ صغرها، لذا أكملت المهمة وترجمت أيضا «الأوديسة» وأتبعتها بترجمة «الإنيادة». وإذا كان الكتابان الأولان قد ترجما وطبعا في فلسطين فإن الثالث حملته معها إلى لبنان وأكملته بعد النكبة وصدر في بيروت. وبقيت عنبرة شعلة فيها من الثورة الهادئة، وحب التغيير، وبث العلم في من حولها الكثير، حتى وفاتها في بيروت عام 1986.
لبنان مقصر مع هذه الرائدة في أكثر من ميدان. فالجيل الجديد لا يعرفها ولا يعرف دورها المحوري. ومن حسن الحظ أن حفيدتها عليّة الخالدي، أخرجت مسرحية عن حياة عنبرة منذ سنتين في بيروت وقدمتها على «مسرح بابل» لاقت رواجاً كبيراً من قبل النساء، روت فيها حياة عنبرة من عام 1907 وحتى 1927. ولا بد أنه لا يزال الكثير مما يمكن أن يكتشف ويروى عن حياة هذه الرائدة العربية الكبيرة.


 في مرحلة السعي لنيل الاستقلال: 

الشيخة جنفياف الجميّل


السيّدة الأولى جنفياف الجميل، من خلال الصورة الأيقونيّة أو الكلاسيكيّة التي تظهر دور المرأة، وهي صورة المرأة التي تحيك العلم اللبنانيّ الجديد الذي نشأ في معركة الاستقلال. السيدة جنفياف كانت رسّامة، واهتمت هي برسم العلم وخاطته. كانت رائدة على طريقتها، وكانت لا تحبّ المشاركة في الحفلات ولم تظهر في العلن الا نادرًا، لذلك لا يعرف اللبنانيّون الكثير عن دورها في معركة الاستقلال.

***************************

مود فرج الله الأولى من جهة اليمين (تضع على كتفيها وشاحًا)
     السيّدة الثانية مود فرج الله، هي علامة فارقة في الحياة السياسيّة اللبنانيّة. نشأت في جو قياديّ وزعامة، وكانت لديها علاقات واسعة في لبنان وفي العالم العربيّ. لعبت دورًا مهمًّا نظرًا الى صداقتها مع الجنرال سبيرز ممثل بريطانيا في لبنان، في زمن كان هناك نزاع بين بريطانيا وفرنسا في المنطقة. نقلت الكثير من الرسائل ودائمًا لمصلحة لبنان. وقبل تعديل الدستور، سمعت من الجنرال سبيرز كلامًا مثل: "لا استقلال من دون دم"، "كونوا على يقظة"، ونقلت هذا الكلام إلى الرئيس كميل شمعون الذي نقله الى الرئيس بشاره الخوري، فكانت الارضيّة حاضرة للمواجهة.

***********************

السيّدة روز زكّور

     السيدة الثالثة روز زكّور تحدّث عنها نجلها المصرفي ورجل الأعمال والمدير السابق في مصرف ميريل لينش العالميّ، مكرم زكّور. قال إنّها لعبت دورًا مزدوجًا في معركة الاستقلال، فعندما منعت سلطات الانتداب الصحافة، فتحت روز زكور مطابعها لطباعة نشرة الثورة فكانت هي صوت ثورة الاستقلال. وكان دورها رائدًا في معركة الاستقلال، بحيث أمّنت التواصل واللقاء في منزلها بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح اللذين لم يكونا في خندق واحد.

*************************

نجلاء صعب تلقي كلمة وإلى جانبها الأمير مجيد أرسلان

     السيدة الرابعة نجلاء صعب من عائلة مناضلة ضد الاحتلال العثماني. من اوائل السيدات اللواتي عملن في اطار حقوق المرأة. واشار المحامي مصري الى ان زوجات الرؤساء فوجئن باعتقال ازواجهن. وبدأت التحركات في مناطق مختلفة، ونظم اجتماعان للحركات النسائية، الاول في منزل كميل شمعون نظمته زوجته السيدة زلفا، والثاني في منزل بشارة الخوري ونظمته زوجته السيدة لور. وتم تكليف نجلاء صعب بقيادة التظاهرة التي قررت الحركات النسائية القيام بها. وهي قامت بتسليم رسالة النساء الى رئيس وزراء بريطانيا عبر الجنرال سبيرز.

**********************


السيّدة إيفلين تويني بسترس

السيّدة إيفلين تويني بسترس

     السيدة الخامسة هي إيفلين تويني بسترس جدّة الوزير السابق نقولا صحناوي، يقول عنها حفيدها فادي تويني، أنّها أسّست جمعية النهضة النسائيّة في لبنان، وترأّست بعض الوفود النسائيّة العربيّة. تميّزت بثقافتها الواسعة، ولديها روايات ومسرحيّات مهمة نشرتها دار النهار. هربت الى فرنسا في الحرب العالميّة الأولى، وفي الاستقلال، ثارت على فرنسا والفرنسيّين، وأنزلت الطبقة الأرستقراطيّة اللبنانيّة إلى الشارع.

الثلاثاء، 16 أكتوبر 2018

خطاب قسم الرئيس كميل شمعون - 1952 (الرئيس الثاني بعد الاستقلال)



(910 كلمات)
في مثل هذه الأيّام وما يليها، من عام 1943، هبّ شعب لبنان ثائرًا، يعلن إرادته ويؤكّد عزمه، أن يعيش حرًّا مستقلًّا، فكان نضاله في سبيل هدفه نضالًا رائعًا، موفّقًا، وكان له ما أراد. وبالأمس هبّ شعب لبنان ذاته ثائرًا، يعلن إرادته ويؤكّد عزمه، أن يعيش حياة صالحة لائقة بمواهبه وفضائله، فكان نضاله في سبيل هدفه نضالاً رائعًا موفقًا، وسيكون له ما يريدوإذا كانت ثورة لبنان الأولى اصطبغت بدماء الشهداء الزكيّة، فإنّ ثورة لبنان الثانية تميّزت، في أيّامها الثلاثة التاريخيّة، بأنّها لم ترق فيها نقطة واحدة من دماء الشعب. 

      ولا ريب أنّ تجنيب البلاد ويلات الصراع الطويل الدامي، يرجع الفضل فيه إلى تضامن الشعب المنقطع النظير، وإلى جرأة وحنكة وأصالة رأي نفر كريم منكم، ومن عيون المواطنين، تولّى دفّة الحركة الشعبيّة، ودفّة سفينة الحكم، حتى اجتمعتا عند غاية واحدة، وإلى وطنيّة اللواء قائد الجيش العام وحكمته، فإنّه بتدخّله الحازم، وبتمسّكه بالدستور وروح الدستور، أدّى للبلاد خدمة عظمى، وسجّل أمثولة بليغة في التجرّد والنزاهة. 
وإنّه لشرف عظيم لي، قلّدني إيّاه مجلسكم بوضعه ثقته في شخصي الضعيف، وانتخابي لرئاسة الجمهوريّة، فإلى حضرتكم أقدم جزيل امتناني وأصدق تقديري لهذه الثقة وهذا الشرف. 
ومن منبركم أرفع شكري الحار، وإعجابي العظيم، وحبي المخلص، إلى شعب لبنان الوديع المسالم، شعب لبنان الأبيّ المقدام، لإنّه كلّما اشتدّت الأزمات، وثقلت على كاهله الملمات، طلع على العالم بالبرهان الساطع على أنّه شعب يقنع ولا يخدع، يصبر ولا يخنع، يعرف، ويميّز، ويريد، ويقول ويفعل.
وإنّي أشعر أنّه يتوجب عليّ، منذ الساعة، أن أعلن لكم ولشعب لبنان، ما أراه في رئاسة الجمهورية، وما أنويه. إنّ هذه الرئاسة تكليف وخدمة، ليست مكافأة ولا رتبة، فهي تحمّل مُتَولّيها واجبات وأعباء، ولا تدرّ عليه منافع أو تمنحه امتيازات. إنّ رئيس الجمهورية لن يسمى رئيس البلاد، ولا بالأحرى سيّد البلاد، فأمثال هذه الألقاب تنافي أسس الجمهوريّة والديموقراطيّة، وتحطّ من كرامة الشعب، الذي لا سيد سواه

إنّ رئيس الجمهورية لن يحاط بمظاهر العظمة والفخفخة، فهذه المظاهر لا تنافي أسس الجمهورية والديموقراطية فقط، بل هي أيضًا تكلّف الشعب نفقات ليس ملزمًا بها، ولا قادرًا عليها، بينما يشكو الكثيرون من أبنائه البطالة والفاقة.

     إنّ رئيس الجمهورية لن يستفيد من أيّة إعفاءات جمركيّة أو ماليّة أو سواها، بل سأسعى لإلغاء هذه الامتيازات المجحفة بحقوق الخزينة، والتي لا مبرر معقولاً لها. 
       إنّ رئيس الجمهورية لن يضع يديه على أموال سريّة تنفق بدون رقابة.
       إنّ رئيس الجمهورية لن يحتمي بنصوص القانون ضدّ حرية الفكر والنشر، فالحماية والحصانة الضروريتان لرئاسة الجمهورية يجب أن تقوما على مسلك وأعمال مُتولّيها، فيكفلهما حسن التقدير والرضى، لا خوف العقاب.

      أيّها الإخوان:
       إنّ للشعب أهدافاً ثار من أجلها، وهو يتوقّع من العهد الجديد تحقيقها. 

     إنّ الشعب يطلب القضاء سريعًا، بدون هوادة ولا رحمة، على الفساد والفوضى المنتشرين في كل مرافق الدولة والبلاد، ويطلب تطهيرها من أدرانهما ومن أسبابهما، وليس والحمد للَّه في أخلاق اللبنانيين أو تقاليدهم أي فساد متأصّل.

     إنّ الشعب يطلب الخلاص من النعرات والأحقاد التي غذّتها سياسة التمييز والاضطهاد، ونمّتها أساليب الحكم المفسدة للضمائر، فالبلاد في أمس الحاجة إلى الانصاف، فالتصافي والوئام.
     إنّ الشعب يطلب أن تُصان حرمة القضاء، وهو الملجأ الأخير والأقدس، فيبقى منزّهًا مُرفّعًا عن كلّ تأثير، يتساوى أمامه المحكوم والحاكم، الضعيف والقوي، دون أيّ اعتبار لجاه أو سطوة أو حزبيّة.

    إنّ الشعب يطلب إدارة داخليّة تمتاز بالبساطة والاستقامة والكفاءة، تخدمه بإخلاص وسرعة وبلا محاباة، فالإدارة في حاجة إلى التطهير والتنظيم، وإلى تعيين حقوق موظّفيها وحمايتهم، حتّى يؤدّوا واجباتهم في ثقة واطمئنان، وإنّي أطمع للبنان بجهاز إداريّ، عصري، صالح، مثاليّ، يبقى في البلاد أداة ثابتة يستند إليها، ويستعين بها، على قضاء المصلحة العامة، دون سواها، كلّ من تولّى الأحكام.
    إنّ الشعب يطلب قانونًا انتخابيًّا تنبثق عنه سلطة تشريعيّة تماشي نهضة البلاد وروح العصر، وتمثّله تمثيلاً لا يفسح مجالاً للطعن في صحته، فتزداد بذلك هيبة هذه السلطة، ويتأيد احترامها، وتغدو قديرة على القيام بواجبيها، التشريع ورقابة السلطة الإجرائيّة، بكل جرأة وحرية.

    إنّ الشعب يطلب التشريع الإصلاحي التوجيهي السريع، في شتّى شؤون حياته وميادين نشاطه، يطلب العدالة الاجتماعيّة في كل معانيها ونواحيها، يطلب الحماية من الفقر والبطالة والعجز والمرض، يطلب سياسة ماليّة مقتصدة، وسياسة اقتصاديّة بعيدة النظر، مبنيّة على أسس علميّة سليمة، وسياسة تربويّة تخلق من النشء نساء ورجالاً منتجين، ومواطنين متعاونين، لا دمى متخاذلة وطفيليّات مستوظفة متحاسدة.

     إنّ الشعب يطلب أن يسود الإخلاص في الأخاء والتعاون علاقات لبنان بالدول العربيّة كلّها، وفي مقدمتها الشقيقة سوريا، على أن يكون هذا التعاون صادقًا جديًّا فعّالاً، فيؤدّي إلى منفعة كلّ دولة منها خاصة، وإلى منفعتها المشتركة عامة، ويرفع هيبة الجامعة العربيّة، ويقدّرها على حل قضاياها، وعلى أن تعمل من أجل فلسطين ما يجب أن تعمله، وما لم تعمله حتى الآن.

    إنّ هذا الوطن الذي دعم كيانه، في سنة 1943 بالميثاق الوطني المعقود بين فئات من المواطنين فرّقتها السياسة وحدها، باسم الطائفيّة، يريد أن يسمو بأبنائه فوق العهود والمواثيق، فما هم بعدُ فئات متعدّدة تتّفق أو تفترق. بل شعب واحد يتساوى أفراده في الحقوق وفي الواجبات، ويتساوون في الغيرة على لبنان وكيانه.
     إنّ لبنان يريد حياة جديدة. بأساليب جديدة تدفعها روح جديدة، روح المحبّة بين المواطنين، وروح الإخلاص والتجرّد بين الحاكمين، وروح النهضة والجدّ والاجتهاد لدى الجميع، فإنّ أمامنا هدفًا ساميًا، هو أن نعيش في طمأنينة وسعادة، وفي احترام وكرامة، متمتّعين بكامل حريّاتنا العامّة والخاصّة. وأن يلحق لبنان بموكب الشعوب الراقية، ويحتل مركزه في طليعتها، بلداً تزينه كل الفضائل التي تفخر بها كبار الأمم
     هذا هو الهدف الذي ألتمس، في بداية هذا العهد الجديد، معونتكم الصادقة، ومعونة كلّ اللبنانيّين المخلصين، من مقيمين ومغتربين، على تحقيقه، وما أنا، بالأمس، واليوم، وغدًا، إلّا خادمه الأمين
عاش لبنان.
(تصفيق)
وإنّي أختم كلامي بعبارة شكر صادرة من صميم قلبي إلى الزميل الكريم الأستاذ حميد فرنجيه للعواطف النبيلة التي أبداها في هذه الآونة الأخيرة وفي هذا الاجتماع، ولا ريب فإن الأستاذ حميد فرنجيه قد برهن مدّة توليه مصالح البلاد العامة عن تلك الخصائل التي نعرفها جميعًا والتي تجعله من قادة الرأي العام في البلاد. 


الاثنين، 15 أكتوبر 2018

خطاب قسم الرئيس بشارة الخوري - 1943 (الرئيس الأوّل بعد الاستقلال)


(582 كلمة)
     حضرة الرئيس، حضرات النوّاب المحترمين

     عندما رفعتني ثقتكم الغالية إلى سدّة الرئاسة الأولى شعرت بعظم التبعات التي ألقيت على عاتقي منذ الآن. وما من شكر أوجّهه إلى حضراتكم إلّا يضاعفه حرصي على تحقيق ثقة الشعب اللبنانيّ الذي تمثّلون. وإنّها لثقة سنكون جميعنا جديرين بحملها بإذن الله حين نجرِّد لخدمة لبنان في هذه الساعة الخطيرة، قوانا ونشاطنا وأخلاصنا جميعًا. 

     لقد كان لبنان وما يزال نزّاعًا إلى الاستقلال حريصًا على الألفة والاتّحاد وتحقيق النظام والسلام والتوازن والوئام بين أبنائه وذلك بمساعدة اللبنانيين من دون استثناء أحد منهم، وإنّنا لن نألوا جهدًا في البلوغ بوطننا إلى درجة يشعر معها بخطورة الدور الذي يمثّله بين الأمم وتصبح أمانيه كلّها حقائق ملموسة.

     وبديهيّ أنّنا لن ننسى أيًّا من أصدقائنا وتقاليدنا ولكنّنا نعلم أنّ الصداقة الحقيقيّة لا تتعارض أبدًا وحقّنا في الاستقلال، ولا تتعارض كذلك مع إرادة شعب فخور بحريّته، ذي ماض مليء بالحضارة، كالشعب اللبنانيّ الذي لم يكن يومًا من الأيّام يقيس كرامته وشرفه بمقياس مساحة وطنه الصغير. فأسأل الله عزّ وجلّ أن يعيننا على خدمة هذا الوطن اللبنانيّ المستقلّ المتمتّع بسيادته كاملةً غير منقوصة مهما تكن التضحية في سبيل هذه الخدمة كبيرة، هذا الوطن اللبنانيّ الذي نضع حبّه فوق كلّ شيء، والذي يجب أن يظلّ للبلدان العربية الشقيقة المحيطة به جارًا أمينًا وأخًا صادقًا تربطه بها روابط تعاون يسوده الودّ والاخلاص.
     إنّ الواجبات الملقاة على عاتقنا خطيرة ومتعدّدة، وتطوّر الحرب هذا التطوّر الواضح لكلّ ذي عينين يملي علينا خطّة سياسيّة مناسبة مرسومة لنا بجلاء. ولقد جعلتنا تقلّبات هذه الحرب العالميّة الشاملة نلمس الدور الخطير الذي لعبته بلادنا الصغيرة والأهميّة التي كانت لبلادنا ولا تزال في أعين الدول العظمى.
     وإنّا لَمدينون للحلفاء بجميل لا يُنسى فهم الذين جنّبوا بلادنا ويلات الحرب وحالوا بينها وبين أن تصبح ساحة قتال يسودها الخراب والدمار، وهم الذين يحاربون في سبيل الحقّ والعدالة وقوى الروح ويقاتلون القوى الغاشمة قتال الجبابرة حتى أصبحوا من النصر قاب قوسين أو أدنى.
     وسيكون بيننا وبين الحلفاء في الغد، كما كان بيننا وبينهم في الأمس تعاون يقودنا شيئًا فشيئًا إلى الاتّصال بجميع الهيئات السياسيّة في العالم إذ ليس من عزلة ممكنة بعد اليوم لدولة من دول الأرض، صغيرة كانت أم كبيرة، فعلى كلّ أمّة حريصة على المحافظة على كيانها أن تخرج من عزلتها وتفهم حقائق الأمور فهمًا إنسانيًّا شاملاً. وإنّنا سنبذل الجهد لفهم هذه الحقائق الحديثة ونحاول أن لا ندع الحوادث تسبقنا بل نسايرها ونماشيها.
     وبين الدول الحليفة الكبرى نرى فرنسا اليوم ذات الماضي المجيد والدولة التي تربطنا بها صداقة تقليديّة، ولو ملومة، فلها كل عاطفتنا وشعورنا الصادق. وإني لأتوجه إلى اللَّه بتمنيات لبنان أن يأخذ بيدها ليقيلها من عثرتها فتستعيد مجدها العظيم بين دول العالم الظافرة ويظل شعاعها غامرًا أنحاء المعمور بفضل جهود قائدها العظيم الجنرال ديغول وكبار معاونيه.
     وأحيي بكلّ اعجاب صلابة الشعب البريطاني العظيم الذي أنقذ العالم حين هدّدته القوى الغاشمة يوم خيّم شبح الانكسار على العالم المتمدّن وأحيي رئيسي البلدين الديمقراطيين روزفلت وتشرتشل اللذين أبرما ميثاق الأطلنطيك المشهور ضمانة لكلّ شعب صغير يتوق إلى حريته واستقلاله.
     فإلى فرنسا وبريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأميركية وإلى باقي الدول الحليفة أطيب تمنياتنا بنصر رائع قريب.
     حضرات النواب، 

    إنّ لبنان لفخور بأنّه كان على كَرَّة العصور معقلاً من معاقل الحريّات الأساسيّة والثقافة الخالصة، ولكلّ لبنانيّ أن يعتزّ اليوم بأنّه يُتم هذه السلسلة المجيدة وبأنّ أبناء لبنان الضاربين في أنحاء المعمور يمثّلونه خير تمثيل. فإلى جميع اللبنانيين الغائبين، إلى مهاجرينا الأعزّاء، أوجّه باسم الأمّة اللبنانيّة تحيّة لبنان وعاطفة تعلّقه الدائم الذي لا تنفصم عراه.

     وقبل أن أختم كلمتي هذه أنتهز فرصة حضور فخامة الرئيس بترو طراد هذه الجلسة لأوجّه إليه تحيّة خالصة تنمّ عن عاطفة صادقة وتقدير كبير.
     إنّني بهذه العاطفة أجدّد أمامكم العهد على خدمة لبنان بتجرّد وعدالة تامَين وتفان لرفاهية وعظمة وطن في سبيله نحيا ونموت.