لماذا هذه المدوّنة؟

إطلاق المدوّنة: 27 تشرين الثاني 2014.
****************
للتذكير: سبق وأنشأنا مدوّنة هذا عنوانها http://arabicsagesse.blogspot.com/

رابط أغنية إنت المعنى (كلمات ماري القصّيفي - لحن روجيه صليبا)

رابط أغنية يا عواميد الحكمة السبعة (كلمات ماري القصّيفي - لحن إيلي الفغالي)

رابط أغنية فوق التلّة الما بتنام (كلمات ماري القصّيفي - اللحن والأداء لنادر خوري)

رابط أغنية يا حكمتنا (كلمات زكي ناصيف - لحن نديم محسن)

تساهم في الطباعة والتصوير: السيّدة ميّادة أبي خليل

الأحد، 15 يوليو 2018

صيف إهدن - محسن إدمون يمّين



كان الصعود إلى صيف إهدن، في ما مضى من أيّامنا يعتمد، الى حد بعيد، على سيارات النقل العمومي لقلة عدد السيارات الخاصة، في ذلك الحين
.
وكانت نهاية العام الدراسي هي التي تعطي للأهالي اشارة الإنطلاق الى الأعالي. فيتم الإتفاق مع شوفير على موعد يفضل ان يكون صباحاً. فالصباح رباح. وتسرق تحضيرات جدّي وجدّتي اللذين كنت في عهدتهما النوم من عيني كي نكون جاهزين حين قدوم السائق. فيتمّ التأكد من إقفال الأبواب والنوافذ بإحكام، ومن وضع ما يكفي من المواد السامة والمصائد للقوارض في حال تمكنها من التسلل الى داخل بيتنا الساحلي في غيابنا، ومن إطفاء عدّاد الكهرباء، وإغلاق "سكر الماء" والحنفيات، وما الى ذلك من أمور يستوجبها الابتعاد أشهراً ثلاثة عن المنزل. قبل أن تأتي المهمة الأصعب في سياق هذه التحضيرات: وهي الإمساك بالدجاجات، وبالهرّ اللعين الذي يسارع الى إفهامك، بخرمشاته، ونفخاته، وعضاته انه ما من أحد أليف لأحد حين يتعلق الأمر بوضعه في كيس "جنفيص". فالدجاجات كنّ يقاومن محاولات القبض عليهن بالتطاير مذعورات في كل الاتجاهات، فتحتار وانت تلحقها ايها تمسك، وايّها تؤجل الى ما بعد، الى ان تحسم امرك وتروح تتعقبها ساعياً الى حشرها في زاوية، والى الاطباق عليها بذراعيك المفتوحتين ككماشة، واحدة تلو الأخرى، قبل ان تربط قوائمها بقطعة قماش، وتضعها تباعاً في صندوق كرتون كي لا تملأ صندوق السيارة بزَرْقِها. وهكذا الى أن تنتهي الحملة المجردة بالقبض عليها جميعها، سواء داخل التخشيبة التي كانت تأويها، أو خارجها، إذا ما قدر لها الفرار. وكلما كان عدد الدجاجات أقل، كلما هانت المهمة
وكان إلتفاتنا إلى تجميع الصرر، والبقج، والحقائب، وبقية الحمولة التي كانت تحتل السقالة الحديد (المصّبع) المزود بها سطح سيارات المرسيديس الـــ 180، والصندوق، وبعضاً من المقعد الخلفي، فنغرق بما لا يحصى من الأمتعة والحوائج التي نعفيك من لائحتها الطويلة، ضناً بوقتك.
ثم تنطلق الرحلة الميمونة على إيقاع قوقأة الدجاج، ومواء الهرّ الخائفين من دوران المحرك، وحوار جديّ مع "سايد"، السائق الطويل البال المعتمد دوماً في تنقلاتنا، ودعاءات جدتي بوصولنا سالمين الى اهدن، وبأن تكون صيفيتنا فيها صيفية مباركة. وما إن نبلغها بسلامة حتى يكون المعلم "مخائيل" في اثرنا، ومضخته التي سيطرش بواسطتها البيت بالكلس الأبيض الممزوج بأقراص النيل، أو بلون المغرة، على ظهره فيما أولاد الحارة الذين سبقونا مع أهلهم إلى فوق، بفارق يوم أو يومين، يتصايحون في الجلول المحيطة بمنزلنا، كأنما لحثيّ على الإسراع في الإنضمام اليهم فور إنهائي لما يتوجب عليّ في المنزل.
تلُحُّ هذه الصور على خاطري الآن، فتبدو لي وكأنها مرسومة بألوان الصيف، على هواء الصيف، وعلى صفحات النهارات المتهالكة من أشعة الشمس، وإرتعاشات أوراق الجوز، واللوز، والتفاح، والإجاص، والكرز، والتوت الشامي، والتوت البري، والعرائش، والكستناء التي ترتديها الأرض حول بيتنا
والوطن يبدأ كما يقول مثل أوزبكي، بحق، ببيت الأهل. هذا البيت الذي يأتي وقت لا تعود محتاجاً للإقامة فيه، لأنه يقيم فيك. الى الآخر.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق